السعودية وموقفها الغامض من الصراع في الجنوب اليمني

16/9/2019

لم يعد بإمكان المتتبع للشأن اليمني تصنيف الموقف السعودي من المواجهات العسكرية الواقعة بالجنوب اليمني بين قوات الحكومة الشرعية التي تسعى إلى بسط سيطرتها وسيادتها على الجنوب، وبين قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي المدعوم سياسيا وعسكريا من دولة الإمارات العربية المتحدة.

   

فالسعودية التي تدخلت عسكريا في اليمن منذ أكثر من أربع سنوات بهدف دعم شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته لم يصدر عنها أي موقف يدين ما تقوم به دولة الإمارات وملشياتها باليمن من إجراءات تهدف إلى تقويض هذه الشرعية. الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول الموقف السعودي من هذه الإجراءات، وأيضا حول الأجندات والأهداف التي ترمي السعودية إلى تحقيقها باليمن.

 

قد يقول قائل: إذا أردت استجلاء حقيقة موقف المملكة من الصراع الدائر في الجنوب اليمني يلزمك متابعة القنوات الإعلامية السعودية. إلا أن تناول هذه القنوات لهذا الموضوع بالذات قد خلف لدى المشاهد نوعا من الغموض، وترك الباب مفتوحا لكل التأويلات.

 

خلف تلكؤ المملكة في دعم الشرعية غضب أطراف يمنية لها ثقل كبير على المستويين السياسي والعسكري. وقد طالبت هذه الأطراف باتخاذ إجراءات ضد المملكة السعودية

أمام هذا الوضع الغامض والملتبس يبرز تفسيرين للموقف السعودي، أولهما يرجع الى خشية المملكة من فقدان حليف قوي في خضم صراع إقليمي محتدم قد يؤدي بها إلى العزلة والانكشاف، في الوقت الذي تسعى فيه جاهدة إلى استقطاب دول المنطقة لمشروعها السياسي في محاولة منها لإعادة الاعتبار لمكانتها المهزوزة، ورمزيتها التي تضررت كثيرا بعد جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي بطريقة بشعة داخل سفارة بلاده بإسطنبول، ومحاولات التستر عليها. كما تضررت أيضا بعد ورود أنباء عن لقاءات تطبيعية عقدت بين مسؤولين سعوديين ومسؤولين إسرائيليين بهدف احتواء الخطر الإيراني.

  

إن ما يزيد من التباس الموقف السعودي في هذا الجانب هو أنه رغم حرص المملكة على العلاقة التي تجمعها بدولة الإمارات في خضم صراعات إقليمية، سياسية وفكرية... إلا أنها سمحت للرئيس اليمني بإصدار بيان شديد اللهجة يدين دولة الإمارات من قلب عاصمة المملكة الرياض. وهو الأمر الذي يثير الشك في مثانة العلاقة القائمة بين الحليفين.

 

أما التفسير الثاني للموقف السعودي الملتبس، فيرجع إلى رغبة المملكة في عدم ترك الساحة اليمنية مفروشة بالورود للسلطة التي ستتولى حكم اليمن، والتي سيكون -لا محالة- للحوثيين النصيب الأكبر فيها، خاصة بعد ورود أنباء عن دعوة الولايات المتحدة الأمريكية للمملكة لإيجاد تسوية سياسية تخرجها من المستنقع اليمني، ودخول الولايات المتحدة في حوار مع الحوثيين، وهو ما يعني استعمال السعودية لقضية استقلال الجنوب وتقسيم البلاد كورقة ضغط على الحوثيين الرافضين لمبدأ التقسيم أثناء المفاوضات الممهدة للتسوية السياسية، وبعد الخروج من اليمن.

 

لقد خلف تلكؤ المملكة في دعم الشرعية غضب أطراف يمنية لها ثقل كبير على المستويين السياسي والعسكري. وقد طالبت هذه الأطراف باتخاذ إجراءات ضد المملكة السعودية وصلت إلى حد مطالبة رئيس المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية في تعز حمود المخلافي بعودة الجنود اليمنيين الذين يقاتلون بالحد الجنوبي للسعودية إلى اليمن.

 

الحكومة الشرعية تسعى إلى الحفاظ على وحدة اليمن عبر بسط سيطرتها وسيادتها على كامل مناطق البلاد انطلاقا من جنوبها، في حين يحاول الجنوبيون توسيع سيطرتهم على الجنوب اليمني

في ظل هذه الظروف، ترى المملكة نفسها في وضع لا يحسد عليه، فإما أن تساير حليفتها دولة الإمارات في مشاريعها باليمن وتفقد شرعية تدخلها العسكري باليمن الذي جاء لتحقيق هدف واحد هو دعم الشرعية اليمنية مقابل الحفاظ على دعم حليفتها لها، وإما أن تنحاز كليا للشرعية وتفقد بالتالي دعم حليفتها. ولهذا، جاء البيان الذي أصدرته المملكة، ونشرته وكالة الأنباء السعودية بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على تصعيد المجلس الانتقالي ضد الحكومة الشرعية غامضا، لكونه تجاهل دور الإمارات الداعم لانقلاب المجلس الانتقالي على الشرعية، وتحاشى إدانة قصف طيرانها العسكري للجيش اليمني.

  

وعليه، تأتي دعوة السعودية إلى طرفي النزاع للدخول في مفاوضات سلام -ربما- للتغطية على ترددها في دعم الشرعية الذي كان الهدف من تأسيس التحالف والقيام بعملية عاصفة الحزم وتحويلها فيما بعد إلى عملية إعادة الأمل. إلا أن ما يعيق التوصل إلى الحل، ويهدد بنسف أي مخرجات لهذه المفاوضات هو تناقض أهداف ومشاريع طرفي النزاع.

 

الحكومة الشرعية تسعى إلى الحفاظ على وحدة اليمن عبر بسط سيطرتها وسيادتها على كامل مناطق البلاد انطلاقا من جنوبها، في حين يحاول الجنوبيون توسيع سيطرتهم على الجنوب اليمني كخطوة أولى في سبيل الحصول على الاستقلال. فهل ستتمكن السعودية في ظل هذه الظروف من جمع الخصمين على طاولة واحدة للمفاوضات؟ وهل ستتمكن من ردم الهوة الشاسعة بين مشروعيهما؟ الأيام المقبلة هي الكفيلة بتحديد مدى قدرة السعودية على تحقيق ذلك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة