سلام برجاق
سلام برجاق
4 k

كيف طبَّقَت الصين رواية "1984" بحذافيرها؟

2/9/2019

لا تتكلم، لا تفكر، لا تبحث، لا تحب، لا تتجرأ على التعبير عن رأيك، من أنت لتكتب حرفاً على ورقة أو حتى لتعرف معنى كلمة حرية؟ أنت لا تستحق أي شيء ولا يمكنك فعل شيء. هل تعرف لماذا؟ لأنك مراقب. بهذه الأفكار لخّص الكاتب جورج أورويل تخيلاته السياسية التي هيمنت على مستقبل العالم الذي يحيط في روايته "1984"، العالم القاتم الأسود، الخالي من ألوان الحياة، الذي تخيّل فيه الكاتب أن الأشخاص مستقبلاً سيكونون تحت مراقبةٍ دائمة لكل تفاصيل حياتهم؛ من نومٍ وأكلٍ وما يقتنون ومن يحبون، من قِبَل قوةٍ حاكمة عظمى تسيطر على عقول وحياة الناس، من قِبَل ما يدعى "بالأخ الكبير".

"الحرب هي السلام
الحرية هي العبودية
الجهل هو القوة"

كانت تلك الكلمات هي الأساس التي يعتمد عليه الحزب الحاكم في الرواية، وبطل الموضوع هو "ونستون سميث" المتمرد فكرياً على أفكار هذا الحزب. كان يعيش "ونستون" في شقة صغيرة مهترئة يتوسطها جهاز مراقبة أو لنكن أكثر دقة كان يتوسطها جهاز تِلفاز وهو عبارة عن جهاز مراقبة يراقب حركاتك وزوايا غرفتك حتى تعابير وجهك كانت تحت أعين الأخ وأتباعه الطغاة. حتى وإن خرجت للشارع فستجد رموز التمجيد تملأ المكان، وأكثرها بروزاً هي تلك الصورة التي تحمل وجهاً مهيباً مخيفاً لرجلٍ بشاربين أسودين كثيفين، مكتوبٌ أسفلها وبخطٍ عريض "الأخ الكبير يراقبك".

عندما قرأتُ الرواية، بقيتُ أفكر في أحداثها طويلاً، فكيف يمكن لكاتبٍ في زمنٍ قديم أن يدرس السياسة في حنكةٍ ليتوقع أن يتحقق خياله السياسيّ مستقبلاً! فأحداث روايته ذكّرتني بالسياسات الأخيرة التي تنتهجها الصين تجاه المسلمين

كان الحزب الحاكم يسيطر ويهيمن من خلال وزارات عدّة ينشر أفكاره من خلالها:
-وزارة الحب: كان عمل هذه الوزارة هو نشر الخوف والترهيب بين الناس، وزيادة الخلافات عوضاً عن حلّها.
-وزارة الحق أو الحقيقة: اسمٌ على غير مسمّى، فقد كانت وظيفتها هي تزوير الحقائق وتغيير التاريخ ونشر الأكاذيب.
وكان هنالك عدة وزارت أخرى منها وزارة السلام التي هي تنشر الحرب، وهناك ما يسمى بشرطة الفِكر التي وصفها "ونستون" قائلاً: "جريمة الفكر لا تستوجب الموت، جريمة الفكر هي الموت عينه". الهدف الأكبر لسياسات هذا الحزب الحاكم هو زرع الخوف في قلوب الناس، قمعهم عن كل ما يؤدي بهم إلى التطور، أرادهم "الأخ الكبير" مذلولين خانعين رؤوسهم أمام أيّ صورةٍ تحمل عيناه الكبيرتان، أراد أن يسمع أصوات تمجيده تضرب في زوايا المدينة عندما يشغّل المرصد "التلفاز" أي اغنية تتغنى بإسمه وبإنجازاته. آمن الأخ الكبير أنّ تبعيتهم له ستتحقق من خلال الخوف والرعب والقمع.

كره "ونستون" هذه الحياة وهذا الحكم الجائر لكنه كمن حوله لم يستطع أن ينبِسَ ببنت شفة، كان هو أدرى السّكان معرفةً بأكاذيب الحزب فهو كان موظف لدى وزارة الحقيقة، كان يرى بأمِّ عينيه أفعال التزوير، وكمية الكذب اليومي الذي يتم تغذية عقول الناس به. خلال الرواية يلتقي "ونستون" بشخصٍ يُدعى "أوبراين" يعمل تحت ظِل الحزب، وهو بدوره عرّف السلطة: "هي تمزيق الفكر البشري إلى قطعٍ يجري تشكيلها فيما بعد في أشكالٍ جديدة قد سَبَق اختيارها". عندما قرأتُ الرواية، بقيتُ أفكر في أحداثها طويلاً، فكيف يمكن لكاتبٍ في زمنٍ قديم أن يدرس السياسة في حنكةٍ ليتوقع أن يتحقق خياله السياسيّ مستقبلاً! فأحداث روايته ذكّرتني بالسياسات الأخيرة التي تنتهجها الصين تجاه المسلمين. وجه التشابه بين الرواية وبين سياسات الصين متقاربٌ جداً، لدرجة أنني شككت أنهم يمشون على نهج "الأخ الكبير"!

وإن أردنا أن نجد التشابه بينهما علينا أن نمشي خطوة بخطوة:
1. الأخ الكبير والصين وجهان لعملة واحدة، السياسات التي ينتهجها الأخ الكبير في فرض هيمنته على الناس هي نفسها التي تنتهجها الصين في مناطق المسلمين فكما يضع الحزب الحاكم في رواية جورج أورويل صوره على كل حائط فإن الصين تحاول أن تمحي أي معلم من معالم الإسلام وتضع عَلَمها في كل شارع لتريهم أن هذه الأرض هي أرضها، وأنها هي القوية.

2. "شاشة الرصد" والمراقبة، الحزب الحاكم يراقب جميع تحركات الناس من خلال تلك الشاشة الصغيرة لكن في الصين تنتشر الشرطة بلباسٍ مدنيّ ليُلقى القبض على أي مسلم يتم الإكتشاف بأنه صائم أو يصلي أو يمارس طقوسه الدينية! فإن تسأل المسلمين في الصين إن كانوا صائمين سيتضطر البعض إلى أكل الطعام أمامك لإثبات أنهم ليسوا بصائمين! لك أن تتخيل كمية الخوف المدفونة في قلوبهم ليصدر عنهم هذا التصرف.



3. "وزارة الحقيقة" و"شرطة الفكر"، إن الصين تُخفي عن العالم أماكن احتجاز المسلمين في مبنى ضخم تحت ما يسمى "بإعادة تهيئة" افكار المسلمين وغسل أدمغتهم، الذين هم بنظر الحكومة يحملون افكاراً إرهابية! لك أن تتذكر تعريف "أوبراين" الذي عرّف فيه السلطة على أنها تريد إعادة تهييء الفكر البشري من خلال تمزيقه وإعادة تشكيله إلى ما يناسبها. ولكن الحكومة الصينية تكذّب هذا الكلام في الوقت الذي يثبته أقارب المحتجزين أنهم لا يعلمون عن أهلهم وذويهم شيئاً.

4. "وزارة الحب"، الصين تعمل على فصل الأمهات المسلمات عن أبنائهم وأزواجهم، فهناك الكثير من شهادات المسلمين الصينيين على الإنترنت الذي نجوا من براثن الحكومة الصينية يناجون فيها العالم أجمع لِكَي يروي عطش قلوبهم بمقابلة أحباءهم من جديد.

5. تدمير اللغة، نَهَجَت الصين نهجاً جديداً وهو إغلاق المساجد وجعلها مركزاً سياحياً يرتاده السيّاح والزائرين، وبإقفال المساجد فقد أُلغي الأذان أيضاً، كما عَمِلَت على محو أي كلمةٍ عربية أو حرف يدل على العربية من اليافطات ومن الجدران والمحال التجارية.

6. إزدواجية المعايير، "عالم الصين" الذي يدّعي الإنسانية والمناداة بحقوق الإنسان هو الأول في انتهاكها، فهم يمحون أي معلَم إسلامي من خارطتهم.

وبهذه المقارنة توصلت إلى التشابه العظيم الذي تتشابه به الرواية بالصين، إلى درجة أنني توقعت أن جورج أورويل قد قصدها بكلامه، فعندما يقرأها أي شخص قد تتبادر إلى ذهنه فكرة المبالغة في الوصف ولكن لا، في الحقيقة هذه الحياة هي التي يعيشها ألاف المسلمين في الصين والذي يُدير المجتمع الدوليّ وجهه عنها. مخيفٌ كيف من الممكن أن تتحول الكلمات إلى واقعٍ ملموس، إلى واقعٍ يُطَبّق على إخوتك المسلمين وأنت لا تدري، بالضبط كما كان يعيش "ونستون" وسكان مدينته في منأى عن عين الحقيقة وفي حالٍ لم يدري به العالم يوماً. فالكذب الذي نشره "الأخ الكبير" كان هو الحقيقة المزيّفة أمام أعين العالم أجمع.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة