أحمد زيدان
أحمد زيدان
4.8 k

فيلم الجاسوس كوهين.. خمر قديم بزجاجات قديمة

21/9/2019

لأول مرة أشعر أنني أضعت من عمري خمس ساعات بمشاهدة خمس حلقات متتالية عن فيلم " الجاسوس" الذي بثه نتفليكس عن الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، والذي سبق أن اخترق حكم البعث في الستينيات، ليكون مصيره الإعدام في ساحة المرجة الدمشقية لاحقاً، ولأول مرة أيضاً كصانع أفلام أرى فيلما مضللاً معلوماتياً، ويعكس الراوية الإسرائيلية تماماً دون أن يعكس غيرها فضلاً أن يروي الحقيقة بهذا الشكل الفاضح والسافر، ولا غرو في ذلك ما دام المخرج إسرائيلياً وهو جدعون راف.

  

والأعجب من ذلك كله أنه بعد كل هذا التاريخ المديد والطويل على رحيل كوهين، لم نعثر على أي معلومة إضافية على أفلام صُنعت وبثت ونشرت قبل سنوات وربما عقود عن المذكور، سوى التأكيد على أسطورة الموساد وأذرعها الضاربة في العالم العربي، وإبراز المجتمع السوري في الستينيات وكأنه مجتمع إباحي بطريقة مسفة، تصل إلى درجة أن تداعب زوجة أمين الحافظ التي ترى إيلي كوهين أو ما سمى نفسه كامل أمين ثابت لأول مرة في حفلة بالسفارة السورية بالأرجنتين بطريقة مخلة.

 

من حق الموساد والأجهزة الأمنية العالمية الترويج لأساطيرها وذلك لجذب واستقطاب المتعاونين إليها، ورسم صورة بأنها على كل شيء قادرة، ولكن ليس من حق نتفليكس ولا غيره من دور الانتاج أن تكون بوقاً للآخرين كما هي عليه في هذا الفيلم وغيره من الأفلام.

   

  

يبدأ الفيلم بلقاء كوهين مع الملحق العسكري للسفارة السورية بالأرجنتين بحدود آذار من عام 1961 كما تقول الروايات الإسرائيلية،  بينما الكل يعلم أن سوريا لم تكن لها سفارة واحدة في ذلك الوقت، إذ كانت من ضمن الجمهورية العربية المتحدة والتي ظلت قائمة حتى 31 أيلول من العام ذاته، ويؤكد أمين الحافظ في حواره الشيق والمطول مع المذيع أحمد منصور الذي بث ضمن برنامج شاهد على العصر على قناة الجزيرة أنه لم يعين في منصب الملحق العسكري بالأرجنتين إلاّ في ديسمبر/ كانون أول من عام 1961، وينفي لقاءه بتاتاً مع كوهين إن كان في الأرجنتين أو في سوريا، في حين كان الفيلم يصور لقاءاته وجلساته مع الحافظ وزوجته وكأنه ابن الدار؟!

  

ولتستكمل حبكة الرواية كما أراد لها المخرج فقد جعل رابطاً غير حقيقي ولا واقعي بين البداية والنهاية، إذ جعل من اللواء أحمد سويداني نائباً للملحق العسكري بالأرجنتين، وفي النهاية جعله هو من يقبض على كوهين في شقته، بينما التاريخ يقول إن سويداني لم يعمل أبداً في الملحقية العسكرية بالأرجنتين، وبغض النظر عن الحفلات الماجنة التي كانت تقام خلال حكم البعث فكيف نستطيع أن نصدق حفلات العهر الجماعي، والسير عرايا كما حصل مع معازي ظهير الدين ابن شقيق معزي ظهير الدين، وبالطبع ليس هناك سورياً واحداً يعرف هذه الأسماء، فمعازي اسمه الحقيقي معزّى زهر الدين وعمه هو عبد الكريم زهر الدين، تماماً كما أطلق المخرج العتيد على سليم حاطوم، شريف حتوم، وغيرها من الأمثلة التي تم تحويرها كثير.

 

المثير للضحك والاستغراب أن يحاول إيلي كوهين خديعة الكل على الحدود فيرسل رسائل من الجبهة، وحين يشعر حرس الحدود به يلاحقونه ويطلقون النار عليه فيصيبونه بقدمه وينزف، وبعد أن استطاع الإفلات منهم والعودة إلى صديقه معزى يسأله عن الجرح فيقول له إن جرح قديم فتح اليوم، ولا يسأله كيف فتح، وكيف تمزق بنطاله؟!!

  

يصل التشويق والكذب الفاضح إلى ذروته بإدخال عنصر جديد يمكن تسويقه اليوم بشكل كبير وهو أسامة بن لادن، وبالطبع لا يهم المخرج صدقية الحدث، ما دام الهدف هو تعزيز اسطورة الموساد

الفيلم ركز طوال خمس ساعات على النيل من القيادات العسكرية والأمنية ذات الخلفية السنية والدرزية تحديداً، وغيّب أي ذكر للقيادات العلوية، والتي كانت تتحكم بسوريا واقعاً وفعلاً في تلك الفترة، وهو أمر معروف للجميع كشفه مبكراً الأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث منيف الرزاز في كتابه القيم التجربة المرة بالإضافة إلى كتاب محمد عمران والذي قتله حافظ الأسد لاحقاً في لبنان وغيرها الكثير من الكتب. الصادرة في حينه.

  

ويصل التشويق والكذب الفاضح إلى ذروته بإدخال عنصر جديد يمكن تسويقه اليوم بشكل كبير وهو أسامة بن لادن، وبالطبع لا يهم المخرج صدقية الحدث، ما دام الهدف هو تعزيز اسطورة الموساد، وتشويق المشاهد بعنصر بيّاع كما يقال، في ظل افتقار الفيلم لأي معلومات جديدة.

   

يروي الفيلم أن محمد بن لادن والد اسامة، شاهد كوهين لأول مرة بحفل كان يشارك به الرئيس أمين الحافظ، فأومئ له حارسه، فخرج الرئيس لوحده دون أي حراس، فتبعه كوهين دون أن يراه أحد من الحراس فيفاجئ بشيخ يلبس بنطالاً مع عقال وهو ما لا يفعله سعودي ولا يمني، ويسترق كوهين السمع من وراء عمود من أعمدة البناء، ليقدم لاحقاً الحافظ محمد بن لادن لكوهين في منزله ويعرض عليه المساعدة في شراء حفارات لتغيير مجرى نهري بانياس والحاصباني في الشلال، وهو ما تعتبره إسرائيل خطراً على وجودها، ويدخل في هذه اللحظة الطفل أسامة بن لادن فيعرّف محمد إيلي كوهين على ابنه الصغير.

  

الأعجب من ذلك كله هو نهاية الفيلم حين يقتحم سويداني البيت الذي يقيم فيه كوهين بينما كان يرسل رسائله لتل أبيب، فيطلب منه أن يرسل رسالة للموساد يقول فيها انتهت اللعبة، فهل هناك جهاز أمني يخبر عدوه عن اعتقال شخصية بحجم كوهين أو أقل منه بهذه السرعة ويكشف كل أوراقه، أم يبقي الأمر سراً ليستغله ويتواصل مع الإسرائيليين ويضللهم، نهاية غبية للفيلم، بحيث يأمل المخرج من  المشاهد أن يصدق تصرف مدير المخابرات العسكرية سويداني لهذه النهاية، وحين يعلم الحافظ بالاعتقال يتصرف كمجنون فيصرخ صراخ المعتوهين ويرمي بالكتب والأوراق من على طاولته، فهل هذا تصرف شخص عادي فضلاً عن تصرف رئيس دولة؟! ..

  

لم يتطرق الفيلم أبداً إلى قصة في غاية الأهمية والتي كان يتوقع من أي مخرج أن تكون بداية الفيلم أو نهايته منها، وهي المفاوضات التي جرت أخيراً بين إسرائيل والنظام السوري برعاية روسية من أجل إعادة رفات كوهين، والتي انقطع الحديث عنها، بينما تنشط قوات الاحتلال الروسية اليوم بنبش مقبرة حي اليرموك بدمشق للبحث عن رفات الإسرائيليين الذين قتلوا في غزوها للبنان عام 1982، ربما أبقى المخرج الإسرائيلي الباب مفتوحاً للمفاوضات، فهل هذا الفيلم برعاية الموساد أم برعاية نتفليكس؟!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة