أمين أمكاح
أمين أمكاح
8.3 k

لولا صُروف الدهر لما أسقطت الأقنعة

22/9/2019

نعيش نحن البشر على أرض أعدت خصيصا للاختبار الذي يفرض علينا التعرض للمحن والرزايا على مدار حياتنا الدنيوية، والأمر المفروغ منه أن المصائب تحل على الجميع ولا تخطئ أحدا، والإنسان كيفما كان معتقده فهو معرض لشتى أنواع الابتلاءات، ومن بلايا الدهر التي يمكن أن تحدث له في حياته نجد: فقد أحد أفراد الأهل أو الأحبة، الإصابة بمرض أو أسقام عديدة، فقدان المال أو تلف شيء لا يعوض، ضيق رزق أو تعسر أمر، المشاكل العائلية المنهكة كنشوز الزوجة أو عقوق الولد، أو غير ذلك مما لا ينفك عنه أحد كائنا من كان؛ فلا يسلم الإنسان من حلول قوارع الزمن ومن إصابة نوازله الشديدة وتكالب الخطوب التي قد تعوزه الحيلة، لهذا قد يغلبنا الإحساس بالانتكاس والإحباط في المواقف المنغصة والمفجعة، فتضعف إرادتنا التامة، ويذهب عنا الفرح والسرور.

 

وما الحياة الدنيا إلا مجرد مسرح كبير يصعب على الإنسان أن يدرك فيها حقيقة الآخرين وما تخفيه نفوسهم نحوه، وإن كانوا ممن يتعامل معهم بشكل يومي، لأنهم يرتدون أقنعة جميلة وجذابة هم أبعد ما يكونوا عنها لكونها غير معبرة عن حقيقتهم؛ كقناع المحبة على سبيل المثال، فلربما يحمله من له في قلبه الكره والحقد والحسد تجاهك دون أن تدري، لأنها من المشاعر المضمرة التي لا تظهر من دون مواجهة المواقف الحياتية التي لا تحتمل الزيف والخداع، فكثيرون من نجدهم معنا في مقدمة الصفوف في السراء، لكنهم في الضراء يتراجعون للخلف، بل وقد يغيبون عن الأنظار فيهربون عنا ويتخلون عن كل ما كانوا يبرزونه في لحظات السعة والرغد، فالظروف القاهرة والمأساوية هي الوسيلة الوحيدة لكشف حقيقة من إدعى نبل الأخلاق وصدق المحبة.

 

كم من مدع للمحبة لا يلبث أن يفر منا حين تصيبنا نوائب الدهر، فينقلب على عقبيه، وبعد سقوط الأقنعة يدرك المرء أتم الإدراك أنهم كانوا يمارسون التدليس والكذب والنفاق عليه، فلا توجد مواقف كمواقف المحن والشدائد

لولا رياح الشدائد العاتية لظل المرائي الكذاب في نظرنا صادقا، ولبقي المنافق الخداع والصريح النزيه سواء في نظرنا بعيدا عن الاحتكام للمواقف الفاضحة التي تأتي بها المحن، ولولا صروف الدهر ما كنا لندرك أن الناس معادن، وكثير منهم  يصدأون بمجرد ظهور مصيبة من المصائب، وقليل هم من يحافظون على بريق معدنهم حينما تحل الكرب بنا وتنزل البلايا علينا، فتلقي الأحداث المأساوية بظلمتها على الأجواء التي تظهر الحقائق وتبين المواقف، في مثل هذه اللحظات التي ترى فيها المحيطين بك بدون قناع، وتبرز الوجوه بدون تجميل خارجي، وتنفذ للنفس الأمور الصائبة لتبصر الناس على حقيقتهم كما هم بحلوهم ومرهم وبجمالهم وقبحهم.

 

في أوج شدة المصائب لا بد من التماس الأعذار والتحقق وعدم رمي الاتهامات جزافا؛ سواء تعلق الأمر بالأقارب أو الأصدقاء أو حتى الأباعد، لكن لا يعود لذلك معنى وجدوى حين تثبت التهمة، وتتجلى الحقيقة المرة التي تسقط معها الأقنعة وتتعرى الوجوه وتنكشف الخفايا المكنونة في النفس البشرية، فليس هناك أي مسوغ مقبول أخلاقيا للنفاق، ولا يوجد أي مبرر لتبنيه كمنهج حياتي في تصرفاتنا، لأنه لا يحمل في الأصل ولو ذرة من الخير للذات ولا للغير الذي يتعامل معه، فتزيين الصورة القبيحة للمرء هي مجرد محاولة فاشلة مفعولها محدود جدا؛ إذ لا تستمر لفترة كبيرة ولا تدوم للأبد، فالحديد مهما صبغناه بلون الذهب وأضفنا له بريقا لامعا، لا يظل كذلك ولا يصمد بريقه مع الزمن الذي يأتي بتغيرات وظروف قاهرة تعريه وتجعله يصدأ، لأنه أصبح غير قادر على مقاومة التآكل الذي يحصل له، فيعود الحديد كما كان في صورته الأولى.

 

ولا يخفى على أحد أن صروف الدهر كاشفة عن معادن الناس وخير مظهر لمدى صحة ما يدعون؛ فهي تجلي ما هو كامن فيهم، فقد تغيب عنك حقيقتهم وتعجز عن الاطلاع على ما يبطنون رغم كونك من الذين يعرفهم منذ مدة طويلة، لكن بمجرد مرور إحدى المصائب بك إلا وبرزت صفاتهم الحقة وبان لك ما يخفون في صدورهم تجاهك، فنوائب الدهر وشدائده منقيات، لهذا يسلطها الله على البشر لتتباين المواقف وتظهر الصفات الحقيقية لمن حولنا، فنعرف بذلك الطيب من الخبيث فيهم، فبفضل المحن التي تمر علينا نرى صورتهم بلا أي تزييف وتجميل متعمد، وتتبين لنا الحمولة القيمية التي يحملونها، فكم من مدع لقيم الوفاء والتضحية والعطاء النبيل إذا جاءت المصائب بانت بوضوح المساوئ والشرور التي كانت في قلبه مستبطنة.

 

كم من مدع للمحبة لا يلبث أن يفر منا حين تصيبنا نوائب الدهر، فينقلب على عقبيه، وبعد سقوط الأقنعة يدرك المرء أتم الإدراك أنهم كانوا يمارسون التدليس والكذب والنفاق عليه، فلا توجد مواقف كمواقف المحن والشدائد التي تكشف لنا جوهر النفوس ومكنون القلوب، وتنزع أقنعتهم التي يرتدونها لنراهم على حقيقتهم بلا رتوش زائفة، فكم من متبجح بالقيم الإنسانية تظنه في الرخاء بكثرة الحديث عن فضائل نفسه أسدا هصورا ومروئيا عظيما، لكن في الشدة تراه متنكرا لكل ما كان يدعيه، فتتجلى بوضوح تصرفاته النفاقية ليظهر لك كالفأر جبان الذي فر للاختباء في جحره مخافة أن يفضح أمره؛ لهذا تبقى الشدائد كاشفا فعالا للغاية ومظهر قوي لقيمة المرء الحقيقية.

 

وما صروف الدهر إلا عبرٌ نعي بفضلها حقائق أمور كثيرة وندرك بها فائدتها ونفهم حكمتها، فلا ينبغي أن تكسرنا الخيبات التي تلحق بنا جراء المواقف التي تتباين عندما تعترض سبيلنا  الفواجع، فلنهرب ما استطعنا من صواعق الإحباط واليأس حين تضطرب الأجواء الداخلية بفعل ما نمر به ونلاقيه خارجيا، فالتقوقع على ذواتنا ومراجعة منهجنا الذي ننتهجه في حياتنا مفيد جدا في أحيان كثيرة، لكونه من بين أفضل ما يمكنه أن يقينا من شدة الضربات القوية التي نتلقاها، بل ويساعدنا ذلك على سلوك مسار قويم فيما تبقى من مشوارنا الحياتي، وتجدر الإشارة إلا أن إدراك الحقيقة لا يمكن أن يكون بدون النظر إلى الأمور من زوايا متعددة، ليبصر المرء بوضوح ما كان خفيا عنه، ولكي لا يسقط دائما في نفس المصيدة، فالمظاهر خداعة في معظم الأحيان، فإذا أردنا معرفة الصديق الحقيقي من صاحب المصلحة يلزم المرور بشدة أو محنة، وإن أردت الفلاح في حياتك فلا يلزم أن تكون ممن يطلبون من البشر أن يمنحوهم المحبة الصادقة والإخلاص والتضحية، يكفي لبلوغ ذلك الترفع عن الدنايا والاستعانة بالواحد الديان في كل خطوة تخطوها في حياتك.

 

ولعل ما تحمله صروف الدهر من مواقف ودروس ذات مغزى عميق كافية لإيقاظ وعينا، لكي نقف طويلا عند كل ما حصدناه من عواقب، ومن أجل أن نشكر كل من تصرف معنا بطريقة لاإنسانية رغم مقدار الأوجاع الكبيرة التي نلناها جراء صنيعهم الخسيس، وهذا بالذات ما سيساعدنا كثيرا على تقديم إجابة مقنعة للتساؤلات التي كانت تحير نفوسنا، وبالذات المتعلقة بحقيقة البشر التي لا نبصرها إلا في الشدة، لأنها وحدها القادرة على نزع الأقنعة المزيفة وتعرية الوجوه المتلونة، وأفضل مرشد لنا نحو تسجيل المواقف الصائبة وإطلاق المشاعر العفوية الطاهرة لمن حولنا، فلا يمكننا أن نستنطق كوامن القلوب ونقرأ خفايا النفوس إلا بالمواقف التي تخلفها الأحداث المريرة في حياتنا، ومن المؤسف أن نكتشف متأخرين حقيقة من إدعى الإخلاص والتضحية وصدق المودة والوفاء بعد أن تصيبنا صروف الدهر، فانخداعنا لم يكن لسذاجتنا بقدر ما هو نابع عن حسن ظننا بهم ومحاولتنا ملامسة الجانب المضيء من طباع البشر فقط، لكن كان لمرورنا بالظروف الصعبة والمزرية خير كثير، فبفضلها ما كنا لنكتشف الجانب السوداوي الذي كان مخفيا عنا، وفي معرض حديثنا هذا نتذكر ما أنشده محمد بن خلف التيمي:

 

وليس أخي من ودني بلسانه .... ولكن أخي من ودني في النوائب

ومن ماله مالي إذا كنت معدما .... ومالي له إن عض دهر بغارب

فلا تعدمن عند الرخاء مؤاخيا .... فقد ينكر الإخوان عند المصائب

وما هو إلا كيف أنت ومرحبا .... وبالبيض رواغ كروغ الثعالب

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة