وليد عمري
وليد عمري
974

هكذا وزعت معدلات التصويت في الانتخابات الرئاسية التونسية

24/9/2019

تمخض الدور الأول للانتخابات الرئاسية التونسية عن ثلاث طروحات تمكن من التعاطي مع هذه الواقعة، الطرح الأول يتضمن اشادة بهذه السابقة السياسية في العالم العربي الذي كان ميؤوسا منه ديمقراطيا، وشعاره أن الشعب التونسي انتخب أو اختار لمن يسند ثقته، ويقابله طرح ميلانخولي سوداوي لا يرى من الصناديق الانتخابية إلا نصفها الفارغ بسبب العزوف والتغيب وتدني معدلات الإقبال على التصويت. أما الطرح الثالث فهو يسلط الضوء على الوضعية القانونية للمترشح نبيل القروي وعلى الآفاق القضائية الممكنة للخروج من هذا المأزق الاستثنائي.

لقد شهدت البلاد التونسية منذ أسابيع موجة من الحملات الانتخابية لست وعشرين مترشحا منهم وجوه تنتمي للنظام السياسي الحالي، ولكن تمخضت نتائج التصويت عن أغلبية تقاسمها أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، ورجل الأعمال نبيل القروي الذي جاء في المرتبة الثانية من حيث أغلبية الأصوات المحصودة. وليست مفاجأة أن يحضى المرشحون الأكثر ظهورا في وسائل الإعلام بكم هام من الأصوات، فقد كان مثلا الهاشمي الحامدي صاحب قناة المستقلة قد حصد ما يربو عن العشرين مقعدا في المجلس التأسيسي في انتخابات 2011 من خلال تيار العريضة الشعبية، فأكثر الناس ظهورا في وسائل الاعلام باعتبارها امتدادا تكنولوجيا للساحة السياسية -هم الأكثر حظا في الفوز بالانتخابات-، وهذا هدف أساسي من ضمن أهداف الحملات الانتخابية التي ليس بإمكانها انتزاع الاعتراف بقدرة المرشحين على تحقيق مصالح الناخبين إلا عبر التعريف بمشاريعهم السياسية..

المرشح قيس سعيد  


في العادة ينزع الحس المشترك إلى تصوير الناخب في المنتظمات الديمقراطية على أنه شخص حر مستقل له تفضيلاته وخياراته الخاصة التي يقوم بمقتضاها بالتصويت للمترشح الفولاني لأنه أفضل من غيره، أعرف أشخاصا قاموا بالتصويت في الانتخابات لسبب وحيد هو عدم رغبتهم في أن يستأثر أبناء جهة معينة بمنصب رئاسة الجمهورية كما حدث مع بورڨيبة وبن علي والباجي قايد السبسي، فليست عملية التصويت مبنية على خيار عقلاني محض بقدر ما هي أيضا مساحة تشتغل فيها العواطف والانفعالات والانتماءات الأولية.

من المهم التنبيه أيضا إلى أن كل مترشح إنما يريد أن يحصد أغلبية من الأصوات، وعليه أيضا يختار ناخبيه وينتقي "حرفاءه" وإذا ما جاز لنا المجاز، أن يحدد سلفا السوق السياسية التي يروج فيها لبضاعته على أمل أن يجني منها أكبر عدد من الأصوات. وينال أكبر قدر من التعاطف، ففي الحملات الانتخابية التي جرت مؤخرا بتونس يمكن بشكل واضح أن نتبين أن المرشح الهاشمي الحامدي قد نال نسبة تصويت عالية في ولاية سيدي بوزيد التي تعتبر مسقط رأسه، وهو ما حدث مع عبد الكريم الزبيدي في ولايتي سوسة والمنستير، ومع الصافي سعيد الذي نال نصف أصوات الناخبين في قفصة، بينما اختارت عبير موسى الاستثمار في معاداة الإسلاميين، كما حاول الدكتور محمد لطفي المرايحي استمالة المستثمرين والصناعيين التونسيين، لكنه نال انتصارا ساحقا في ولاية القصرين التي ولد وترعرع فيها، يبقى الانتماء إلى الجهة محددا أكثر تأثيرا على نسب التصويت التي يمكن أن يحضى بها كل المترشحون بما في ذلك نبيل القروي الذي نال نسبة إقبال هامة في بنزرت التي ينحدر منها، على سبيل الذكر لا الحصر. فالعصبية والجهوية حاضرتان بقوة كمحددين أساسيين للخارطة الانتخابية في تونس.

وهناك من يقول أن نبيل القروي الفائز الثاني في الدور الأول للانتخابات الرئاسية قد بدأ حملته الانتخابية مبكرا جدا، وذلك من خلال الاستثمار في الأعمال الخيرية بواسطة جمعية خليل تونس والتي تبث أنشطتها في قناة نسمة، وقد ساهمت هذه الحملة الانتخابية ذات النفس الطويل في تأجيج جدل مبني على فرضيات غير مثبتة إحصائيا، فهل أن نبيل القروي قد نجح حقا في نيل أكبر عدد من الأصوات في المناطق المهمشة والفقيرة؟ وهل أن عموم الناخبين في تونس يمكن أن يمنحوا أصواتهم لمترشح بلا خبرة سياسية مثل نبيل القروي طمعا منه في ما لم يحصلوا عليه من النظام السياسي القائم؟ تمكننا الإجابة عن هذا السؤال من رصد التغير في الرأسمال السياسي عند الناخب التونسي ولو بشكل عام، فيمكن الإشارة في دراسة تحضرني للأستاذ المولدي لحمر إلى أن أبناء ولاية القصرين قد كانوا من أكثر الناس انخراطا في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي قبل الثورة رغم أنها تحضى بأدنى حظ تنموي في الجمهورية وذلك لأن بطاقة الانخراط في الحزب كانت تمكن حاملها من جملة من الخدمات التي لا يمكن الحصول عليها بغيرها، إلا أن أبناء القصرين كانوا من أشد الناس استماتتة في الاحتجاج على نظام الرئيس المخلوع وذلك لأن الانخراط في الحزب لم يعد يدر فائدة تذكر، وقد نال نبيل القروي في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية النسبة الثانية في ولاية القصرين من حيث وفرة الأصوات بعد محمد لطفي المرايحي وهو ابن الجهة كما سلف وذكرنا.

المرشح نبيل القروي

لفهم مدى ارتباط عوامل الفقر والإقصاء بتصويت الناخبين لنبيل القروي سنعمد إلى استثمار تقنيات إحصائية بسيطة لرصد مدى الاقتران التلازمي والترابط الإحصائي بين نسب التصويت لنبيل القروي في مختلف ولايات البلاد التونسية، وبين مؤشر التنمية الجهوية في كل ولاية. إن مؤشر التنمية الجهوية هو مؤشر اقتصادي مركب يضم سبعة عشرة متغيرا متوزعة على أربعة محاور كبرى وهي المرافق الضرورية للحياة، البعد الاجتماعي، الرأسمال البشري، والتشغيلية وسوق الشغل، ويمكن الاطلاع على تقرير مؤشر التنمية الجهوية لسنة ثمانية عشر والفين ضمن منشورات المعهد التونسي للاحصاء، كما يمكن التثبت من معدلات التصويت لنبيل القروي ضمن منشورات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

أما بالنسبة للتقنية الإحصائية التي تسمح باللتثبت من هذه الفرضية فهي معتمدة كثيرا من قبل المختصين بالإحصائيات، فالعلاقة التبادلية تمكن من معرفة شدة الارتباط بين متغييرين، مثلا يمكن دراسة العلاقة التبادلية بين متغير الطول ومتغير الوزن عند أفراد مجموعة معينة، فبديهيا من المعروف أن هناك ارتباطا قويا بين هذين المتغيرين، فبداهة كلما زاد طول الشخص كلما زاد وزنه، أو كلما كان الشخص أطول كلما صار وزنه أثقل، أو مثلا يمكن افتراض أنه  كلما ازدادت المدرسة بعدا عن مقر الإقامة كلما صارت نتائج التلميذ متدنية، والتأكد من هذه الفرضية عبر هذه الآداة الإحصائية. وقد حاولنا فهم شدة العلاقة بين متغير التنمية الجهوية ومتغير التصويت لنبيل القروي، وقمنا بالتثبت من هذه الفرضية عبر دراسة نسب التصويت في كافة الدوائر الانتخابية بأربع وعشرين ولاية، وقد جاءت النتائج سلبية بما أن معامل الارتباط يشير إلى صفر فاصل اثنين، مما يعني أن الحملة الانتخابية لنبيل القروي لم تأت بأكلها في مجمل الولايات، لكن بشكل عام لكن لا يمكن انكار أن الحملة الانتخابية لنبيل القروي قد آتت أكلها في الولايات الأكثر حرمانا وتهميشا مثلا كالاتي:

ولاية باجة التي تحتل المرتبة التاسعة عشرة وطنيا من حيث مؤشر التنمية الجهوية قامت بإعطاء أكثر من ثلاثين بالمائة من أصواتها للمرشح نبيل القروي، وتليها الكاف بنفس نسبة التصويت تقريبا. أسند الناخبون بولايتي سليانة والقيروان قرابة ربع أصواتهم لنفس المترشح. والذي حصل أيضا على أعلى معدل تصويت في ولاية جندوبة الأسوء حظا من حيث التنمية الجهوية وذلك بأكثر من ثلاثين في المائة من الأصوات. حتى نستخلص، يمكن للمحددات الثقيلة للانتخابات الرئاسية التونسية بيان أن هناك تيارا هاما من الناخبين الذين تحركهم النعرات الجهوية ونصرة القريب على البراني، ولكن أيضا انعدام الولاء لما يسمى بالدولة الوطنية التي لم يعد يربطهم بها إلا أسلاك الكهرباء كما يتندر بذلك شباب المناطق الداخلية. فحتى حملات تشويه نبيل القروي لم تؤت أكلها في تلك المناطق التي لم يعد يشبعها الخطاب الرسمي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة