د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.7 k

حين ظن الناصريون أن الاتحاد السوفيتي تبناهم وأن عليه أن يتكفل بكل نفقاتهم

29/9/2019

في ١٩٦٥ تخلى الرئيس جمال عبد الناصر عن آخر ورقة من ورق التوت في سياسة عدم الانحياز، وأعلن العداء للولايات المتحدة في خطابات جماهيرية شعبوية معروفة، وبدأ سياسات توصف في السياسة بأنها الارتماء في أحضان الاتحاد السوفيتي، يقدم السفير صلاح شعراوي الرجل الثاني في سفارتنا في موسكو في تلك الفترة، في مذكراته، تفصيلات مذهلة عن العقلية التي تعامل بها المصريون في تلك الفترة مع السوفييت.

   

نبدأ بأن ننقل ما رواه السفير صلاح شعراوي عن لقائه برئيس الوزراء السوفيتي في ذلك الوقت، فقد أتاح لنا في مذكراته وصفًا في منتهى الدقة لمشاعر رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي كوسيجين حين أنهى إليه موافقة الاتحاد السوفيتي على تزويد مصر بالقمح في 1965، وتنبيهه له أن هذا القمح من لحم الاتحاد السوفيتي الحي دون أن تنتبه مصر وسلطاتها لهذه الحقيقة على الرغم من أن الرئيس عبد الناصر كان قد زار موسكو في الشهر التالي ونال هدايا سوفيتية بمناسبة هذه الزيارة كما يقول صلاح شعراوي:

  

" .... في يوم السبت الموافق 6 يوليو 1965 توجهت للسفارة بعد الظهر لإنجاز بعض الأعمال وكنت في هذه الفترة قائما بأعمال السفير نظرًا لقيام السيد السفير بإجازته السنوية وبينما كنت في حديث مع أحد الزملاء فوجئت بتليفون في حوالي الساعة الخامسة والدقيقة الأربعين وإذا بالمتحدث شخص من الكرملين يطالبني بالتوجه فورًا لمقابلة كوسيجين رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي". "وكان الطلب وتوقيته مفاجأة لي حقًّا. إذ إنه كان بعد ظهر يوم سبت والمعروف لدينا جميعًا أن السوفييت يقدسون إجازة آخر الأسبوع. ثم ما بال رئيس الوزراء يطلبني على هذا الوجه من السرعة وفي هذه الساعة، فاعتذرت للمتحدث قائلًا له إنني مضطر للتوجه للمنزل لتغيير ملابسي وسأحضر فورًا، فوافق على هذا ".

 

" وكان هدفي من ذلك إتاحة الفرصة لنفسي لالتقاط أنفاسي، ومحاولة معرفة سبب هذه المقابلة العاجلة جدًّا.

- هل هي تتعلق بالموقف في الجزائر؟ حيث إن "بن بلا" قد أطيح من منصبه من أيام سبقت.

- هل تتعلق بشيء خاص عاجل بالموقف بين مصر وإسرائيل.

- هل ارتكب أحد منا وليكن سفيرنا شيئا يستوجب هذا الاستدعاء.

" سألت زميلي عما إذا كان لدينا شيء من القاهرة يتطلب مقابلة كوسيجين"

    

   

وبعد هذا التشويق المعقول يروي السفير صلاح شعراوي حوارا جادا فاجئه به كوسيجين رئيس الوزراء السوفيتي: "وبعد أن شربت فنجانًا من القهوة أسترد به أنفاسي توجهت إلى الكرملين، حيث قابلني على مدخله أحد رجال الحرس، وقادني فورًا إلى حجرة مكتب كوسيجين ودخلتها وكانت حجرة طويلة، وفي آخرها منضدة يقف بجوارها رئيس الوزراء السوفيتي بوجهه الصارم، فاستعذت بالله، وطلبت ستره ومعاونته".

  

"ويبادرني كوسيجين بقوله إنه عندما كان نائب رئيس الوزراء السوفيتي بالقاهرة، طلب منه رئيسكم عبد الناصر إمداده بكميات من القمح نظرًا لقرب نفاد المخزون لديكم. وأنت تعلم دقة موقفنا من هذا الموضوع، حيث إننا استوردنا عشرات الآلاف من الأطنان هذا العام لعجز محصولنا، ولكن نظرًا للصداقة بين الشعبين ولعلمنا بحساسية هذا الموضوع وأهميته البالغة، فقد أصدرنا تعليماتنا بتوجيه 300 ألف طن بصفة عاجلة لكم، بل أمرنا المراكب المتوجهة إلى الموانئ السوفيتية بتحويل مسارها إلى الإسكندرية لتفريغها، أما بالنسبة للثمن، فهذا يمكن الاتفاق عليه فيما بعد، كانت الكلمات المتدفقة من فم كوسيجين، عبارة عن مفاجآت متتالية لي"

 

"وبعد برهة أجبته بأن شعبنا الذي وجد معاونة الاتحاد السوفيتي في بناء سده العالي، لن يسعه إلا أن يقدم شكره الجزيل له، خاصة وأن كل حبة قمح سوف تصل إلى فم كل واحد منه. وأنني سوف أبرق فورًا لحكومتي بهذه المعلومات، فما كان من كوسيجين إلا أن مسك صدره بيده اليمنى قائلًا: "نعم فإن هذا القمح من لحمنا" " .... كانت مصر تستورد القمح من الولايات المتحدة إما بالثمن أو عن طريق مشروع المساعدات الغذائية. وحدثت اتصالات عديدة من الجانب المصري، لكن الأمريكان سوفوا في الرد حتى وصل الاحتياطي الاستراتيجي في مصر ما يكفي لمدة 15 يومًا عندما اعتذرت أمريكا عن إمداد مصر بالقمح، الأمر الذي دفع عبد الناصر للتقدم بطلبه.

 

ثم يتحدث السفير صلاح شعراوي ببساطة شديدة شأنه في هذا شأن كل العسكريين الذين لا يقدرون قيمة الآثار المصرية حق قدرها: "قام الرئيس عبد الناصر بزيارة رسمية إلى الاتحاد السوفيتي في أغسطس 1965 وكانت الزيارة ناجحة بكافة المقاييس. إذ تنازل السوفييت عن نصف مليار جنيه حسابي من الديون العسكرية كهدية لعبد الناصر بمناسبة هذه الزيارة، "أما هدية مصر فكانت آنية من الألابستر من مخازن حفريات سقارة".

 

ثم يتناول السفير صلاح شعراوي بصراحة بالغة جانبا آخر من جوانب المزايا أو الفوائد التي حاولت مصر أن تستخلصها من الاتحاد السوفيتي تحت مظلة ما أبداه السوفييت من اهتمام بالغ بتلبية طلبات مصر الاستراتيجية في شهر العسل الطويل الذي شهدته العلاقات بين مصر والسوفييت، وهو يشير إلى النجاح الذي حققه الدكتور القيسوني في هذا الميدان ثم إلى الاستسهال الذي جعل المصريين يحاولون الاتكال التام على الاتحاد السوفيتي في توفير احتياجات مصر البترولية، وهو اتكال غير مبرر لم يكن يدفع إليه إلا إحساس الوزراء المصريين بمقابل التبعية التي توجب المسئولية على التابع.

 

ونحن نقرأ في مذكرات السفير صلاح شعراوي ما يدلنا على مدى التحمل والصبر الذي أبداه الساسة السوفييت تجاه مثل هذه الطلبات المصرية أو الناصرية الملحة والمتوالية: " ... لم يكن في الميزان التجاري المصري الروسي أي بند يتعلق بالبترول، ولكن ظهرت حاجة مصر لبترول خام تقوم هي بتكريره وبيعه، على أن يخصص عائد البيع لتغطية تعويضات أبناء الجاليات الإيطالية واليونانية".

   

   

"... وإزاء هذه الحاجة قام السيد الوزير القيسوني بزيارة إلى موسكو وعاد ومعه وعد بأن الاتحاد السوفيتي سوف يضع تحت تصرفه 1.2 مليون طن زيت خام، وخلال مقابلته لوزير التجارة السوفيتي المستر أبدى رغبته في زيادة الكمية مليون طن أخرى، وكان رد باتولتشيف إنه لا مانع لديه، لكنه لا يستطيع إقرار ذلك بمفرده، ونصحه بأن يثير هذا الموضوع مع رئيس الوزراء كوسيجين عند زيارته له، حيث إن البترول الروسي هو المورد الرئيسي للعملة الصعبة. كما وعده بأنه إذا سأله كوسيجين عما إذا كان المركز البترولي الروسي يسمح بذلك فسوف يجيبه بالموافقة". " وبالفعل حقق الدكتور القيسوني هدفه وارتفع رصيد مصر من الواردات البترولية الروسية في الميزان التجاري من صفر إلى 2.2 مليون طن" "... بعد حوالي شهر فوجئت السفارة ببرقية من وزارة الاقتصاد بمطالبة الاتحاد السوفيتي بمليون طن أخرى!!! وبالطبع رُفض هذا الطلب."

 

ثم نأتي إلى واقعة مروعة في دلالتها (ولا يمكن وصفها بلفظ أقل من هذا اللفظ) ولا يمكن لقارئ أن يسامح فيها المسئولين المصريين وعلى رأسهم الوزير الذي لم يشأ صلاح شعراوي أن يذكر اسمه، وهي واقعة دالة على مدى خفة وزراء عهد الثورة في تناول القضايا التي هم مسئولون عنها بحكم تخصصهم، ونحن نقول هذا على الرغم من التحامل الظاهر في رواية صلاح شعراوي، وهو تحامل مبرر بما وجده مما نعرفه من التعالي المشهور عند أمثال هؤلاء المسئولين في عهد حكم الفرد:

 

" في مايو 1966، فوجئت السفارة ببرقية تفيد بأن وفدًا اقتصاديًّا كبيرًا برئاسة أحد السادة الوزراء سيزور موسكو بعد يومين. واستطاع الوزير المفوض التجاري معرفة سبب زيارة الوفد وأخبرني بأن المستر جروميكو عند زيارته لمصر في مارس ذلك العام علم بصعوبة الموقف الاقتصادي بمصر وحاجتها إلى قمح ومواد خام لزوم مصانعها. وأنه أوضح للمصريين صعوبة مركز القمح في الاتحاد السوفيتي واقترح تخفيفًا لهذا العبء أن تقوم مصر بشراء موادها الخام اللازمة من الاتحاد السوفيتي بقيمة الدين العسكري على أساس إعادة جدولته في السنوات التالية، وتشتري مصر قمحًا من السوق الحرة من الخارج ".

 

"وحيث إنني كنت قائمًا بالأعمال بالنيابة، فقد توجهت لاستقبال الوفد، وخلال انتظارنا للحقائب سألت السيد الوزير عن الهدف من الزيارة لأتأكد مما توصل إليه الوزير المفوض التجاري فكان رده غريبًا: "بكرة ها تعرف في المفاوضات" فسكتُّ على مضض.

"وفي اليوم التالي وفي جلسة الافتتاح فوجئ الجميع بأحد الزملاء يدخل قاعة الاجتماع بحقيبة سفر جلد كبيرة، والتي فتحها وأخرج منها ثلاث مجموعات كبيرة من المطبوعات. وبعد كلمات الترحيب والإشادة بالتعاون بين البلدين، قال الوزير إنه أحضر معه طلبات مصر متمثلة في هذه المطبوعات، وأنه يأمل في الحصول على رد خلال أسبوع".

 

"وهنا سأله الوزير الروسي: وبكم تقدر هذه الاحتياجات من الناحية المالية؟ فرد الوزير المصري أنه يقدرها بمليار وثلاثمائة مليون جنيه حسابي"، "وفوجئنا بالوزير الروسي يتكلم باللغة الإنجليزية: "إنني سوف أقع من على الكرسي" وكرر رقم الوزير المصري، ثم أضاف وأنا لا أستطيع الرد عليكم قبل أسبوعين حتى لو جندت كل أعضاء وزارتي لدراستها، ولذلك أنصح سيادتكم بالعودة إلى مصر وسنوافيكم بما يمكننا القيام به. ورد الوزير المصري إنه مطالب بالعودة لمصر ومعه الرد السوفيتي، ولذلك سوف يبقى أسبوعًا واضطر السوفييت إلى عمل برنامج ترفيهي لهم بزيارة ليننجراد، وبعد عودتهم صرحت لهم شخصية روسية (ألم توحشكم عائلاتكم) وكأنها دعوة صريحة لهم بالعودة لمصر".

 

ثم يقول السفير شعراوي: "أضيف بأن وزيرًا مصريا آخر قام بزيارة لاحقة لموسكو فعرضت عليه ما حدث. فكان رده: للأسف لم يعرف الوزير الهدف من زيارته؛ إذ إنه تعرض لاحتياجات مصر في الخطة الخمسية".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة