صالح الأنور
صالح الأنور
188

مبادرة اليأس.. الطريق إلى الإذلال

4/9/2019

مع شروق شمس يوم جديد يتطلع المعتقلون في سجون النظام أن يروا نور الحياة التي حرموا منها منذ سنوات، وأن يأتيهم بصيص أمل ولو كاذب بانفراج أزمتهم، وكثيرا ما حلموا أن يعودوا إلى أهليهم محملين بدموع الفرح التي تشققت "مجاريها" من انعدام ذلك الشعور منذ سنوات.

 

تخرج علينا بين الفينة والأخرى مبادرات مجهولة المصدر تهوي بقلوب المعتقلين وأسرهم آملين أن يكون خلفها بصيص الأمل المفقود الذي يجمعهم بذويهم، وأحبائهم ممن تضيع أعمارهم بين سجن وسجان وقلوب انفطرت ومنها من رحل قبل أن يحين اللقاء، وليس حال قيادات الجماعة خارج السجون بأفضل كثيرا من هؤلاء المعتقلين، لا سيما وأن ما منهم من أحد إلا وله عزيز قابع في سجون العسكر، ولكنهم لا يشعرون كثيرا بهم، فكيف يشعر من يستنشق ربيع الحرية بمن أزكمت أنفه رائحة الظلام في سجون لا ترتقي إلى حبس الحيوانات.

  

يأتي كل ما سبق وسط صمت مريب للحكومات الغربية والمنظمات الدولية على الانتهاكات الجسيمة التي يمارسها النظام ضد المعتقلين

سرب النظام مؤخرا عبر أذرعه الإعلامية، مبادرة نسبت لأشخاص يعينها، مفادها أن من يرغب في الخروج من السجن وممارسة حياته الطبيعة عليه أن يلتزم بشروط قد توافق عليها الدولة، أو لا توافق، ليس عليه إلا المحاولة، وأول هذه الشروط دفع مبلغ 5000 آلاف دولار كتبرع لصندوق تحيا مصر، وكبادرة حسن نية " لدعم الاقتصاد المصري"، وأن يتعهد باعتزال الحياة السياسية والعمل العام، ومن حق الأمن أن تتخذ ما تراه اتجاه من تدابير احترازية، وإلا يعود من جديد إلى جدران الزنازين ولا يلومن إلا نفسه. هذه الشروط التي سربت لنا ليست ضامنة لخروج المعتقلين ولكن عليهم الموافقة ومن ثم تبدأ الدولة في بحث ما سربته مسبقا ومحاولة الخروج بمكاسب أخرى، تكسر شوكة المعارضين ورافضي النظام سواء في الداخل أو الخارج، وهي أكبر دليل على أن النظام القضائي في مصر ما هو إلا أداة تنفذ ما يملى عليها دون إرادة.

  

تأتي تلك المبادرة في ضوء استمرار حبس الآلاف من شباب الجماعة وغيرهم، ممن يخضعوا لمحاكمات وصفتها جهات حقوقية محلية ودولية بالجائرة، وفي ظل غياب أي بوادر للاستعداد للتفاوض سواء من السلطة أو قيادات الجماعة حول الأزمة السياسية التي تعيشها مصر منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي وفض اعتصامي رابعة والنهضة. وبالرغم من أن المبادرة من المفترض أنها خرجت من داخل السجون ومن بعض المحكوم عليهم غيابيا، وتطلب وساطة شيخ الأزهر، إلا أنها أزعجت الطرف الأضعف وهم الإخوان المسلمين، حيث خرج إبراهيم منير، نائب المرشد العام للجماعة في تصريحات سابقة لقناة الجزيرة قائلا إن "الجماعة ليست هي من أدخلت الشباب السجن، ولم تجبر أحدا على الانضمام إليها، مطالبا من يرغب من التبرأ من الإخوان فليفعل".

 

وبعد هذا الموقف المعلن والصريح لأكبر قيادات الجماعة، فقد النظام عنصرا هاما سعى إليه عبر تمرير هذه الصفقة التي ربما لم تمر، حيث أن منير خرج في موقف ندي معلنا رفضه المبادرة ومؤكدا على موقف الجماعة الرافض للنظام والمستمر في النضال حتى إسقاطه، وهنا سقط عنصر هام تمثل في كسر شوكة المعارض عبر إذلال قيادات الجماعة بعد أن نجحوا في إظهار أن المعتقلين يسعوا إلى التبرأ من الجماعة وسياستها، وبالرغم من موافقة بعض أسر المعتقلين بالفعل على هذه المبادرة بشكل فردي في رغبة منهم في وقف معاناة يعيشها الجميع، إلا أن لجنة العفو الرئاسي أكدت في تصريحات صحافية سابقة، إنها لا تستطيع التعامل مع هذا المقترح لعدم تأكدها بالفعل من صدورها من شباب الإخوان المسلمين، متشككا في مدى التزام القيادات (التي رفضت المبادرة علنا) بشروط العفو على المعتقلين.

  

يأتي كل ما سبق وسط صمت مريب للحكومات الغربية والمنظمات الدولية على الانتهاكات الجسيمة التي يمارسها النظام ضد المعتقلين، بخلاف حالة الإذلال التي يمارسها على المواطنين عبر إجراءات اقتصادية قاسية قادت مصر إلى ذيل الأمم في كثير من المجالات كالصحة والتعليم والاستثمار، وغيرها. المبادرة إن صدقت قد تكون بادرة أمل تلم شمل آلاف الأسر وتوقف الدمع الذي لم يجف في مقلاة الأمهات الثكالى والآباء قليلو الحيلة الذين يقفون أمام السجون ليشاهدوا أبنائهم عبر فتحات صغيرة في سيارات الترحيل المهرولة إلى ساحات المحاكم.

  

مبادرة وصفها الكثيرون بمبادرة اليأس، كونها تفقد شرائح كبيرة من المصريين حقوقهم في ممارسة الحياة الطبيعية، وتسلبهم كرامتهم وسب دفاعهم عن الوطن، مبادرة سربها النظام وأشك كثيرا في التزامه بتنفيذها ولو وافقت عليها قيادات الجماعة، ولكنه يهدف إلى إذلال المذلول مسبقا واعترافه بالهزيمة دون أن ينطق بكلمة (آآه).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة