وهم الوطن.. الجرح الذي لا يندمل

5/9/2019

الوطن يخذلنا، في كل مرة تنتابني فكرة أن ألوذ بالفرار منه، تاركة ورائي أحلامي الزهرية التي بنيتها فيه وأنا طفلة، يستوقفني شيء ما، أنام لأحلم بواقع أجمل بكثير من هذا الذي نعيشه، وأسأل ما الوطن، فيرد درويش.. ليس سؤالا تجيب عليه وتمضي.. إنه حياتك وقضيتك معاً، ولا يدري أن القضية داخله لا تعنينا، فإن نال شرف أن يولد فلسطينيا بقضية رضع إياها ولبن الرضاع، فقد ولدت في وطن يخذلنا في كل مرة، وقبل أن ننسى طعنة منه تأتينا أخرى، كي لا تبقي فينا ولا لنا حبا عفيفا طاهرا له، يدنس الحب الذي غنينا له بأجساد صغيرة، منبت الأحرار، فيقتل كل حر كي لا ينهض العبيد، ولا يكف رق عن الركوع، غنينا مشرق الأنوار، ومنذ ذلك الحين والشمس لا تعرف إلا الغروب، كي لا نرى النور، كي لا نبصر الحقيقة.

   

في عمر العشرين نحن نعج بالألم، يساورنا الشك حيال وطنتينا، أي حب يبادلنا إياه هذا الوطن، وهو الذي يبرع في قتل الأمل والحب داخلنا، فغدونا آلات فارغة إلا من الهزائم، جدران فارغة تردد صدى الخيبات التي تلفها من كل صوب، نحن الصورة البئيسة للوطن، صورة الموت السحيق الذي يتربص بنا، حرقا أو غرقا يأخذنا، ويترك جرحا عميقا وراءه لا يندمل، يحدث موتنا ضجة كبيرة، يذكرنا كيف يرانا الوطن، شرذمة من العالات تنضاف على عاتقه، وهو الذي لا يملك لنا غير مصاريف الدفن، اتركوا أجسادنا للسماء علها بنا أرحم، لا يلتفت الوطن إلينا إلا بعد أن نسقط صرعى، فيدرك للمرة الأولى أنه خذلنا حين لم يعي قبل موتنا أننا كنا نعاني الأمرين، أننا كنا نعيش الفقر وبراثنه، وأننا كنا نرجو رحمته صباح مساء، كي يرأف بنا قبل أن تحل علينا لعنة الموت.

 

هذا الوطن الذي يموت فيه الناس بردا، ويموت فيه إنسان بلسعة عقرب، يخيل إليك وأنت تشاهد أخباره خلف هاتفك أنه ينتمي لأي زمان غير هذا الذي يعيشه العالم

هذا الوطن الذي أوصتني أمي أن أحبه، تغير كثيرا، هذا الوطن الذي كتبت فيه يوما وأنا بعمر الثامنة، حينما عانقت القلم لأول مرة، لم يعد نفسه، لا أدري من فينا تغير، هل كان هكذا منذ البداية، أم أن غشاوة الصبى هي التي فعلت ما فعلته بنا، وزورت لنا الحقيقة فقلنا يوما بالروح بالجسد، والحقيقة أن هذا الفداء بالروح والجسد لم يكن خيارا، أجبرنا الوطن أن نكون كبش فداء لامبالاته بنا ولنا، فقدمنا قربانا للموت في كل مرة ترأف بنا ملائكة السماء وغضب الله لأجلنا، فيأخذنا إليه كي لا نموت في اليوم ألفا بحثا عن شيء ما، كلما وجدنا الله تهنا وفرغت أرواحنا أخذنا إليه خوفا منه علينا أن نعجل بنهايتنا فيغضب.

 

قد تخونك الجغرافيا داخله، فيسميك غير نافع، فيلفظك خارجه كما يقذف البحر الجيفة، يحرمك من حقك المشروع في صنبور تفتحه فيخرج منه الماء، ومفتاح تطأه فتضيء مصابيح بيتك، كما جاء على لسان رئيس الحكومة الموقر، في بقعتك تلك قد تقطع كيلومترات على قدميك لتصل إلى حجرة ضيقة تحتويك أنت ومعلمك البائس الذي يلعن سوء حظه الذي رماه هنا، في منطقة نائية، الخروج منها أصعب من عبور البحر إلى الضفة المقابلة، الدخول إلى هذه الأماكن بمثابة تأشيرة دخول دون عودة.

 

هذا الوطن الذي يموت فيه الناس بردا، ويموت فيه إنسان بلسعة عقرب، يخيل إليك وأنت تشاهد أخباره خلف هاتفك أنه ينتمي لأي زمان غير هذا الذي يعيشه العالم، توقف الزمن فيه يعود لما قبل سنوات الرصاص، كل شيء فيه يوحي على أنه ميت، اللهم من بعض البهرجة التي تزين الواجهة، والحقيقة التي لا تكشف لأحد هي يومياتنا البائسة داخله، توغلنا شرقا وجنوبا يعريه تماما، ويجرده من الزينة.

 

اعتاد شرفاء الوطن في غير هذه البقعة التي نعيشها ألا يهان فيهم أحد، وأن يحملوا على أكف الدعاء والرجاء، أما وطني فنحن سواسية بعلمنا وجهلنا، بأخلاقنا العالية وانحرافنا، قد تجد نفسك وأنت الذي قضيت عمرك في طلب العلم وتدارسه خارج الصورة، وقد تجد نفسك تفكر في هجرة الوطن الذي خذلك، فتفر بعلمك كي لا تموت هنا قهرا، ويشهد الله كم كانت رغبتك في أن تكون نافعا، ألا تخذل أبناء وطنك، مثلما تكالب عليهم المناخ والتاريخ والجغرافيا والساسة.

 

كل محاولة تغيير داخله تبوء بالفشل، تختلف الحركات داخله والمصير ذاته، إبادة بطريقة يستحيل أن تنبعث بعدها، حراك سلمي لا رغبة له في زعزعة النظام، خروج للمطالبة بحق بخس، مستشفى يحتضن الأوجاع، شوارع لا يسكنها الموت، شباب لا يفنى قبل الأوان، حراك لأجل لا شيء في وطن غير هذا الذي نتنفس فيه رائحة الموت. فكرة الابتعاد عنه تتربص بنا، تستفزنا وتغرينا، الحياة خارج حدوده وردية اللون، لكنها مرة، مرة بمرارة الحنظل، فأي الأمرين أحلى، بقاء على قيد الموت داخل الوطن، أم الفرار موتا خارجه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة