محمد أمين
محمد أمين
2.3 k

واشنطن وطهران.. أعداء عقلاء وعرب غائبون!

10/1/2020

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن بلاده لا ترغب في استعمال القوة في الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير، وجاء مؤتمره الصحافي واضحا بلا مواربة بأن واشنطن لا ترغب في التصعيد وأنها ستعود لقواعد الاشتباك التي سبقته، معتبرا أن سياسة العقوبات الاقتصادية هي الأنجع في تقليم أظافر طهران.

   

وأسدلت كلمة ترمب الستار على أزمة كادت تدفع المنطقة لأتون حرب عالمية ثالثة. كما رأى مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي في مقابلة مع CNN بأن إيران تلعب دورا إيجابيا بمطالبة ميليشياتها بعدم استهداف مصالح الولايات المتحدة، باسطا يده للحوار والحلول الدبلوماسية، وفي ذات السياق اتفق سفيرا البلدين في الأمم المتحدة على أن بلديهما لا ترغبان في التصعيد، فيما أكد السفير الإيراني بأن الاتفاق النووي مازال على قيد الحياة وأن التوتر ليس في مصلحة أحد، ما يعني أن البلدين اختارا العودة الدبلوماسية وإعلاء صوتها، عوضا عن دق طبول حرب جديدة.

 

 بدى واضحا خلال التصعيد الأخير عقب اغتيال واشنطن للجنرال الإيراني قاسم سليماني وما تبعه من رد إيراني، أن البلدين يجيدان تبادل رسائل النار والسياسية، فواشنطن التي صمتت طويلا على صفعات إيرانية سابقة في العراق والاقليم اختارت أن تقتص مرة واحدة بضرب رأس كبير قدرت أنه يحق لها تصفيته لتسديد حسابات سابقة، وفاتورة اعتداءات إيرانية كان آخرها الهجوم على سفارتها في بغداد، إذ تدرك أمريكا ولا تحتاج لأدلة على أن من دبر هذا الأمر هو سليماني الذي يدير العراق منزوع السيادة، واعتبرت واشنطن في ذلك الاعتداء تجاوزا للخطوط الحمراء لا يمكن السكوت عليه.

 

كما وفي الحسبة الداخلية الانتخابية لترمب فإن اجتثاث رأس بحجم سليماني يحقق لرئيس متهم وملاحق في بلده إنجازا عسكريا يحمله معه في حملته الانتخابية المقبلة باعتباره قاتل الإرهابيين من أبو بكر البغدادي إلى سليماني، مسوقا ذلك للناخب الأمريكي الذي يشكل الأمن ومحاربة الإرهاب واحدا من أحجار الزاوية الرئيسية في اتجاهاته الانتخابية، وفي ذات السياق فإن هذا الاغتيال يشتت الأنظار عن الملاحقات التي تطارده. إلا أن ترمب وفي نفس الوقت الذي تغنى بهذا " الإنجاز"، فإنه بتقديري كان حريصا على ألا يؤدي هذا الاغتيال لحرب شاملة في المنطقة. فقراءة فاحصة للمشهد الأمريكي قبيل الانتخابات تكشف بأن ترمب لا يمكن أن يخوض حربا قبيلها.

  

 

فكما هو معروف فإن أي رئيس مقبل على انتخابات في أمريكا ذات المزاج الرافض للحروب ليس في صالحة التورط في حروب جديدة لأن ذلك بمثابة انتحار سياسي، الأمر الذي يجعلنا نعتقد بأن الرئيس الأمريكي راهن عقب اغتيال سليماني على عقلانية إيران وعدم رغبتها هي الأخرى في حرب غير مستعدة لها، وتأتي في ظل وضع اقتصادي متردي في البلاد، وأنها ستبتلع اغتيال رأس كبير تسديدا لفواتير تحرشاتها السابقة بأمريكا، بالمقابل راهنت طهران على أن واشنطن هي الأخرى ستبتلع ردا عسكريا لا يتجاوز خطوطها الحمراء وهذا ما حصل، حيث لم يؤدي قصف القواعد العسكرية في العراق لأي خسارة في الأرواح في صفوف الأمريكيين.

 

ولعل الحقيقة الأهم والاشارة الأبرز في التصعيد الأخير هو الغياب العربي التام وكأن واشنطن وطهران تتقاتلان في القطب الشمالي وليس في بلد عربي وعليه، فالعراق العربي بات رهينة أمريكية إيرانية يخضع لاحتلال مزدوج، وتحول من دولة عربية وازنة وقوية، إلى بلد يلعب فيه رئيس الوزراء دور ساعي البريد بين محتلين، ويقوم بإحصاء الضربات وايصال الرسائل في دور مهين يعكس حجم الكارثة التي انتهت لها البلاد والتي تتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى واشنطن التي غزت العراق عام ٢٠٠٣ وسلمته لإيران التي بدورها استكملت تدميره بتحويلة لدولة ميليشيات طائفية بغيظه ترتهن للخارج وتعمل وكيلا لمصالحه.

 

المشهد الأخير اللافت كذلك، هو كيف أن دولا عربية لطالما على صوتها مناديا ومحرضا وداعيا للحرب اختفت خلال التصعيد الأخير ونزلت تحت الأرض خوفا من تهديدات ورعد ووعيد الإيرانيين، وهي التي كان قادتها يتغنون بأنهم سينقلون المعركة لطهران، وأنهم قادرون بلعبة "بلايستيشن" أن يقتحموا "جمهورية خامنئي وسليماني" ويعتقلوهم ويدمروا دولتهم، هؤلاء القادة إما أنهم نزلوا في الملاجئ خشية الغضب الإيراني وعدم نصرة ترمب النهم للمال لهم، أو أن صوت حفلات الترفيه علا على صوت الصواريخ وأزيز الطائرات، فلم يسمعوا طبول الحرب وزئير صواريخها.

 

 بالمحصلة حتى لو خافوا وجبنوا، فجيد عودتهم لرشدهم، وإدراكهم ولو متأخرا بأن التصعيد والحرب الجديدة في المنطقة ليست في مصلحة أحد، وأن المشكل ليس في إيران وسياساتها التوسعية، وإنما المشكل في غياب مشروع عربي، يجعل العرب ومنطقتهم ومقدراتهم مشاريع مشروعة للقوى الإقليمية والدولية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة