أحمد زيدان
أحمد زيدان
119

بين سيادة الأمة وسيادة الأوطان

14/1/2020

إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى كان المصطلح السائد هو سيادة الأمة، وسيادة شعوبها، وأن الأولوية لحماية البشر، لكن مع انهيار الخلافة العثمانية وغياب مفهوم الأمة، واستيراد مفهوم سياسي جديد وهو مفهوم الأوطان وسيادتها، تأثراً بالجو الأوروبي العام الذي ظهر مع نظرية الوطن والأرض، كان مفهوم سيادة الوطن والأوطان قد تسلل إلى منطقتنا العربية والإسلامية، والذي يستبطن في حقه وحقيقته وجوهره حماية الحجر بدل حماية البشر، ليطرد المصطلح الأخير وهو مصطلح الأمة وشعوبها من القاموس رويداً رويداً، وهو المصطلح الذي ترسخ على مدار قرون وعصور بدءَ منذ ظهور دولة المدينة مروراً بالخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، فكان المواطن والشعب والأمة هو مدار الحديث، ومربط الفرس، وهو محور العمل..

 

نبش مثل هذه المصطلحات مهم في عالم اليوم، ونحن ندفع أثماناً وأكلافاً باهظة تحت ذاك العنوان، إذ لا يهم السياسي الانتهازي ولا مشغله من الاحتلالات الأجنبية وبينهما المثقف المعلّب الذي يؤطر لهذا و ذاك ويُقعّد له القواعد والإيديولوجيا من التأكيد على أهمية الوطن، وسيادته ولو كان على حساب الملايين من الشهداء والجرحى والمعاقين والمعتقلين والمشردين، ما دام الوطن بالنسبة لهم بخير، ولو كان على دماء وأشلاء ومعاناة المواطن، فالوطن غدا بالنسبة لهم تراب وما فوقه من بيارات وبرتقال وزيتون ونحوه لكن باستثناء البشر الذين هم ينبغي أن يضحوا ليس لصالح الوطن وإنما لصالح سيد الوطن، وكل انتهاك دون بقاء الوطن تحت بسطار سيد الوطن فهو لا قيمة له ما دام الوطن تحكمه ذات العصابة، وسقفه تحت سيد الوطن..

 

لا قيمة للأوطان والأرض إن لم يعش عليها أحراراً أعزاء، وهل كانت مكة والمدينة وغيرها من البقاع المقدسة بترابها أم بوجود أنبياء وصحابة وصادقين على أرضها

تُفاجأ كثيراً لدى نخب عربية وإسلامية بالحديث عن سيادة الأوطان، وهو مصطلح أولاً ليس إنسانياً ولا إسلامياً، وإنما مصطلحٌ يعكس احتقاراً لكل من يعيش في الوطن، ويعكس بالمقابل استفزازاً لكل من بقي تحت بسطار سيد الوطن، مفضلاً عيشة ذليلة حقيرة على التمرد على الوطن وسيده، ولذا رأينا هذه الاسطوانات المشروخة عند كل أنظمة الاستبداد والإجرام بأن الكل تحت سقف الوطن.

وهو يعلم والعالم كله يعلم أن سقفه هو سقف طول الطاغية المستبد الذي يريد كل من يعارضه ويناوئه أن يطأطئ رأسه، أو أن يُداس بالأقدام كي لا نفقد جميعاً الوطن الذي خيّطه ووضبه سيد الوطن على مقاسه، وترى بعض البلّه يرددون العودة إلى حضن الوطن، واستبطان قولهم هو أن الحضن هو الطاغية والعصابة المستبدة، لا علاقة لها بالوطنية والدليل هو استجلاب سيد الوطن والعصابة لكل أغراب وبوم الأرض لحمايته وقتله ضد من يفترض أن يكون شعبه..

 

هل من  المعقول أن نرى بعد كل هذا الخراب والدمار في سوريا وغير سوريا من يتحدث عن الوطن بعد أن هجرت ملايين البشر منه، فضلاً عن تدمير أكثر من نصفه، وتهجير ثلاثة أرباعه، ولا يزال البعض يتحدث عن بقاء الوطن سيداً، السيادة للشعوب والمواطنين، وما وجد الوطن إلاّ لهذا المواطن، ليبقى حراً عزيزاً كريماً، ولا قيمة للأوطان والأرض إن لم يعش عليها أحراراً أعزاء، وهل كانت مكة والمدينة وغيرها من البقاع المقدسة بترابها أم بوجود أنبياء وصحابة وصادقين على أرضها، إن الأراضي لا تقدس أحداً وإنما تقدس بساكنيها، وإلاّ لما كتبت الهجرة..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة