صقر قريش.. فن تحويل النهايات إلى بدايات

14/1/2020

كان عبد الرحمن بن معاوية شابا يافعا عندما تعرضت عائلته لعملية إبادة رهيبة من قبل أول خلفاء بني العباس، كان قدره أن يعيش في خضم تلك المرحلة الانتقالية العصيبة التي آل خلاها الحكم إلى خصومهم التاريخيين، ويكون بالتالي ضحية حقد وغل تراكم عبر قرون.

  

خرج عبد الرحمن مستخفيا يبحث عن مكان يلوذ به ريثما تهدأ عواصف الثأر والانتقام. وصل إلى قرية في فلسطين ولبث فيها خائفا يترقب، إلى أن وصلت معلومة عن مكان تواجده إلى المخابرات العباسية فبعثت إليه مفرزة أمنية للقبض عليه، فغادر-كما يروي ذلك ابن الأثير- على وجه السرعة ووصل إلى قرية على ضفة نهر الفرات فاختبأ بها هو وأحد إخوته. لم يطل مكثه في القرية طويلا إذ سرعان ما لمح الرايات السود تقترب من البيت الذي يكمن فيه، قرر وأخوه أن يعبرا نهر الفرات سباحة، وما إن قطعا نصف النهر حتى وصل الجنود إلى ضفته، فطلبوا منهما الرجوع وأعطوهما الأمان، قرر عبد الرحمن أن يواصل السباحة بينما رجع أخوه وسلم نفسه، أمسك به الجنود وقاموا فورا بإعدامه ميدانيا وعبد الرحمن يشاهد من الضفة الأخرى المصير المروع الذي انتهى إليه أخوه.

 

هذا المشهد من حياة عبد الرحمن بن معاوية يعطي انطباعا أن ما تبقى من حياته سيقضيه خائفا مستخفيا، يبحث عن الأمان في مكان لا يتعرف عليه فيه أحد، تمر عليه الأيام والسنين وذكريات تلك الفترة المشؤومة لا تفارق خياله، يتراءى له طيف جلاوزة بني العباس في نومه فيقوم جزعا مرتاعا والعرق يتصبب من جبيه. وآلام الفقد والفراق والوحدة تضفي على حياته كآبة لا تطاق. لكن لعبد الرحمن شأن آخر. إن شخصيته المتميزة تنطوي على عبقرية فذة وذكاء فريد. إن ما يمكن أن يعتبر نهاية مأساوية مترعة بالألم والمعاناة لم تكن عند هذا الرجل سوى بداية واعدة ومستهل رحلة مثيرة نحو المجد والقوة. لقد عرف كيف يحول ركام حياته المتداعية إلى أدوات وقطع لبناء حياة جديدة كما يريد لها أن تكون.

 

اللافت أن عبد الرحمن وهو بصدد التأسيس لدولته في الأندلس استمر يدعو لأبي جعفر المنصور الخليفة العباسي في بغداد على المنابر مقرا له بالخلافة، لم يرغب في فتح جبهات أخرى

اجتاز عبد الرحمن القفار والأمصار وعبر البلدان والأقطار وحيدا شريدا طريدا، مواجها كل ما يعترضه من عقبات وخطوب بمضاء عزيمة ونفاذ صبر. كان بإمكانه أن يستقر بمصر من الأمصار ويعيش فيه بهوية أخرى ويقضي حياته مغمورا بين الناس إلى أن يوافيه أجله. لكن عبد الرحمن لم تطاوعه نفسه إلى حياة الدعة والراحة، لم يكن منطقه منطقا "معيشيا خبزيا"، فالرجل يحمل أجندة سياسية وسقف طموحات لا يعرف الحدود. إن حضارة أبهرت الإنسانية تنتظره ليضع حجر أساسها في أقصى الغرب. وصل عبد الرحمن إلى تخوم الأندلس، فوجد الظروف هناك مناسبة ليطرح برنامجه السياسي مستفيدا من ثقافته العالية وبلاغة خطابه وفصاحة لسانه.

 

بشيء من المداراة والكياسة جمع حوله عصبة وأتباعا، فمضى بما تحت يده وطوع أمره من الرجال، يمد سلطانه بالغزو والدم أحيانا وبالتألف والسياسة أحيانا أخرى. يسرف في القتل في موضع ويعفو ويصفح في آخر، إلى أن دانت له أكثر بلاد الأندلس وانقادت لحكمه وسلطانه. ولسوء حظ التاريخ أن عبد الرحمن قضى معظم حياته السياسية في الأندلس مشغولا بترسيخ أركان دولته ومعالجة الإضرابات السياسية التي طبعت تلك المرحلة، والتصدي لجيوب التمرد التي ما فتئت تظهر وتربك خططه في التوسع شمالا والتوغل في عمق أوروبا.

 

اللافت أن عبد الرحمن وهو بصدد التأسيس لدولته في الأندلس استمر يدعو لأبي جعفر المنصور الخليفة العباسي في بغداد على المنابر مقرا له بالخلافة، لم يرغب في فتح جبهات أخرى بإمكانه أن يرجئ أمرها إلى حين. لكن ما ان أمسك بزمام الأمور حتى منع الدعاء للعباسيين، وسحب اعترافه الصوري بخلافتهم. وبما أن مشاهد المذابح الفظيعة التي تعرضت له أسرته ما تزال طرية في ذاكرته، فقد قرر أن يسير بجيش ضخم إلى الشام ليأخذ بثأر أهله ويسترد الخلافة من بني العباس، ولم يحل دون تنفيذ مخططه هذا سوى اضطراب الأمور في مدينة سرقسطة واضطراره إلى الإشراف شخصيا على عملية إعادة الاستقرار إليها.

  

لقد أبدى كبار المؤرخين إعجابهم بهذه الشخصية العظيمة فقال عنها ابن خلدون في تاريخه:" كان يعرف بعبد الرحمن الداخل لأن أول داخل من ملوك بني مروان هو، وكان أبو جعفر المنصور يسميه صقر بني أمية لما رأى ما فعل بالأندلس، وما ركب إليها من الأخطار، وأنه صمد إليها من أنأى ديار المشرق من غير عصابة ولا قوة ولا أنصار فغلب على أهلها وعلى أميرهم، وتناول الملك من أيديهم بقوة شكيمة وإمضاء عزم. ثم تحلى وأطيع وأورثه عقبه" وقال عنه ابن حيان مؤرخ الأندلس: "كان عبد الرحمن راجح الحلم، فاسح العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، تم لا ينفرد في إبرامها برأيه، شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحذر قليل الطمأنينة، بليغاً، مفوهاً، شاعراً، محسناً، سمحاً، سخياً، طلق اللسان"

 

وقال عنه المؤرخ محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الإسلام في الأندلس:" كانت مهمة عظيمة دونها خطوب فادحة. أن يطمح فتى شريد، يعمل القتل الذريع في أسرته وعصبته، وحيد ليس له أنصار ولا صحب، إلى افتتاح قطر عظيم زاخر بالقادة والجند، وأن يخضع ذلك القطر في حروب لا يخمد أوارها، وسيول من الدماء لا تنقطع، وأن يقيم ملكاً على بركان يضطرم من الثورة والمؤامرة والخصومة".

 

كان يمكن لعبد الرحمن بن معاوية أن يستغل بلاغته في القول ونظم الشعر ويضيف إلى رصيد العرب من شعر الحزن والرثاء عدة قصائد، لما نزل به من شتى ضروب الأذى وما قاساه من لوعة الفقد وغصة الفراق، لكنه فضل عوضا عن ذلك أن يرسي أسس حضارة ما يزال العالم مدينا لها بجزء من تقدمه. إن تجربة "صقر قريش" تعطي مثالا حيا على القدر اللامحدود من الخيارات التي تعرض أمام الإنسان حتى في أشد لحظاته بؤسا وحرجا.

 

إن الإنسان صدقا -وكما تنادي بذلك الوجودية- ليسبح في سماء ممتدة من الإمكانات. وإن أشد النهايات يأسا وقتامة ومأساوية لن تكون كذلك إلا بالقدر الذي نريد لها أن تكون. ثمة دائما خيارات ومنافذ للخروج في الزوايا التي لم ننتبه لها، علينا فقط أن نتحرر من أنماط التفكير السائد والعقلية المنفعلة التي تستنزفها دوامة اللحظة الراهنة ولا تستطيع أن تنظر أبعد منها. لماذا نهدر كل مواردنا في تفاصيل تكتيكية ولو كانت مجدية على حساب الاهتمام بالأبعاد الاستراتيجية لوجودنا وحركتنا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة