محمد أمين
محمد أمين
190

غزة.. يسقط الجميع

15/1/2020

لم أكن أتوقع يوما منذ أن بدأت تتدفق أخبار الموت غرقا لمهاجرين ركبوا الموج بحثا عن الحياة في الضفة الأوروبية الأخرى من العالم، أني سأكتب يوما عن شخص أعرفه سيركب ذات القوارب، هربا من قسوة الجار والجوار وظلم ذوي القربى، وبؤس عالم لا حر نعيش فيه.

    

كنت قبل وفاة ابن خالي الشاب أحمد شتات، المعلم ذي الأربعة والثلاثين ربيعا والذي يحب الحياة، أتساءل عن ماهية الإحباط، واليأس والخوف الذي يدفع بهؤلاء الناس لإلقاء أنفسهم وأطفالهم عرض البحر، واختيار معادلة تشير معطياتها إلى أن النتائج قد تفضي إلى الموت وخسارة الحياة عوضا عن الوصول إلى "جنة أوروبا في الضفة الأخرى".

    

اعتقدت أنها مقامرة لا يقدم عليها إلا من يطارده الموت يوميا في حرب ضروس، أو هاربا من قسوة سجن في بلداننا التي تحولت لمعتقلات مظلمة تكون فيها أمنيات المسجون الموت بدلا الاستمرار في مقاساة أهوال السجن، لكن غرق هذا الشاب يعكس الحال التي انتهى لها قطاع غزة عقب سنوات من الحصار الخانق، والموت الذي ينتشر في كل مكان، وكيف تمكنت إسرائيل من الفتك بشباب القطاع، والاجهاز على أحلامهم، وتحويلهم لصناديق بشرية ينهشها الإحباط واليأس، والحسرة المبكرة على حالها وعلى أطفالها، ليختاروا المغامرة بالموت عوضا عن البقاء على قيد الحياة رهن الإحباط.

  

لا تنتهي اللعنات في المشهد الفلسطيني عند هذا الحد، إذ يضاف إليها "مناضلو السوشيال ميديا"، ممن يوزعون البطولات، ويلقون بالنظريات وهم يجلسون في أمان بعيدا عن ذلك الموت

ركوب الغزاويين لقوارب الموت، وتحول أسمى أمانيهم لفتح معبر يفضي لمغادرة هذا القطاع المنكوب، وبحث الشباب والشابات في غزة عن أي فرصة للهروب من هذا الجحيم لتحصيل لقمة العيش أو الموت العمل في الخارج أو الهجرة لأوروبا بأي ثمن، كلها مؤشرات ينبغي على حماس التوقف عندها مليا، والاعتراف بأن الأسوأ قد حصل بالفعل، وعوضا عن استمرار المخاصمات السياسية ينبغي البحث عن مخرج سياسي أو إنساني، فما هو قائم في غزة ليس سلطة، ولا دولة ولا ينبغي الدفاع عنهما، وليس في الأمر هناك ما يحتاج للدفاع عنه، هناك كارثة إنسانية وبشرية، هناك كفر للشباب بهذا الانقسام، والاقتتال والاخفاق والانسداد، هناك يأس واحباط وموت لا تنفع معها إبر التخدير الفارغة.

 

هناك رئيس فلسطيني تحول لناشط مدني إسرائيلي يتحدث يوميا عن معاناة الإسرائيليين، وعن تضامنه مع ضحاياهم، هناك سلطة في الضفة تتحصل على رزقها من خراج يرسلها لها محتلها مقابل تنسيق أمني تسلم بموجبه قوائم المناضلين والمقاومين، هناك عرب يتحرقون شوقا لحضن إسرائيلي، يحاصرون قطاع معزول، ويلعنون انقساما صنعوه بأيديهم وربوه وعززوه وسقوه، في قاهرة الجنرال، في الخليج، وفي الحرمين الشريفين، مطبعون صهاينة وإن تحدثوا العربية.

  

ولا تنتهي اللعنات في المشهد الفلسطيني عند هذا الحد، إذ يضاف إليها "مناضلو السوشيال ميديا"، ممن يوزعون البطولات، ويلقون بالنظريات وهم يجلسون في أمان بعيدا عن ذلك الموت الذي يحصد أرواح الغزيين، وقد تحولوا إلى جيش من شذاذ آفاق مهموسين بعدد "اللايكات" وكثافة "الشيرز والريتويت"، لكن أي منهم لم يفكر يوما في المحرقة الغزية، وتراجيديا الموت هناك، وربما لم يقدم يوما درهما ولا دينارا لإطعام جائع، أو المسح على جبين محتاج.

  

قطاع غزة تحول بالفعل لفوهة بركان، ستحرق كل القوى الفلسطينية المتصارعة فيه وعليه، حماس عليها أن تدرك أنها المسؤولة عن القطاع اليوم، وأن تبحث عن حلول، أو أن تحل سلطتها وترحل، وعلى محمود عباس التوقف عن المراهقة السياسية، أو أن يحل سلطته ويرحل هو الآخر، وعلى الدول العربية أن تعود لرشدها أو أن تعلن صراحة أنها ليست عربية وليست دول وأنها مع إسرائيل ظالمة أو مظلومة، لكن قبل الاختيار ينبغي أن تدرك أن شرارة بركان النار في غزة لن تتوقف في محيط القطاع، وأن بحر غزة سيغرق الجميع ولن يكون شباب غزة هم الوحيدون الذين يموتون في بحار العالم. الحل في الحل، حلوا هذه السلط المصطنعة في غزة ورام الله، ولنرجع من البداية، ليس من الصفر بل من المربع الأول في النضال ضد هذا الاحتلال العنصري، ضد هذا المشروع الاحتلالي السرطاني، وضد كل عملائه ووكلائه في المنطقة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة