يحيى طبازه
يحيى طبازه
3.5 k

الكالتشيو.. الرجل الكبير الذي فقد احترامه!

17/1/2020

لعلّ الصّورة الذهنيّة التي كوّنها العديد عن الدّوري الإيطاليّ لكرة القدم -حاليًّا- مرتبطة جدًّا بالنوستالجيا أو الحنين إلى الماضي، فلا يكاد يمرّ يوم دون أن ترى تغزُّل صفحات كرة القدم في فضاء التّواصل الاجتماعيّ بما كانت عليه فرق كالميلان والإنتر ولاتسيو وفيورنتينا وبارما وغيرها. لم يأتِ هذا الأمر من فراغ، ولعلّ المتابعين القدامى لكرة القدم يذكرون جيّدًا كيف كان "الكالتشيو" في وقتٍ ما، وهو الذي بدأ يفقد بريقه بشكل تدريجيّ منذ صيف 2006 بعد حادثة "الكالتشيو بولي" الشهيرة والتي تمّ على إثرها معاقبة أندية مثل اليوفنتوس والميلان وفيورنتينا، إلى أن فقد معظم هذا البريق في وقتنا الحاضر.

 

ففي القرن المنصرم، امتلأ الكالتشيو بأساطير ونجوم كرة القدم الذين كانت لهم شبه الجزيرة الإيطالية مسرحًا وساحةً لعرض إبداعاتهم، الأمر الذي أطلق على إيطاليا لقب "جنّة كرة القدم". فمن منّا ينسى لاتسيو نيدفيد وفيرون ونيستا وسينسيني وميهايلوفيتش وستانكوفيتش وسميوني؟ أو بارما بوفون وثورام وكنفارو وكريسبو وكييزا؟ أو فيورنتينا باتستوتا وروي كوستا ودي ليفيو وتولدو؟ لن أذكر اليوفنتوس والميلان والإنتر وروما ونابولي، فهذا أكثر مما يحتمل هذا المنشور! تريد أن تتميّز وتُبدع؟ اذهب إلى إيطاليا. تريد أن تتعلّم كرة القدم كما ينبغي؟ اذهب إلى إيطاليا. تريد أن تكون من صفوة أوروبّا؟ اذهب إلى إيطاليا. وهكذا كان.

      

  

إلا أنّه -وللأسف- لم تحافظ كرة القدم الإيطاليّة على هذا البريق، فخسرته لصالح إنجلترا وأسبانيا مؤخرًّا؛ وما السبب الرئيس في ذلك؟ إنّه ببساطة "غياب المال"، وما كان ذلك ليكون لو أنّ الإدارة في إيطاليا كانت أهلا للإدارة فعلاً؛ فـ"البضاعة الرّائجة" التي ملأت الكالتشيو ذهبت إلى غير رجعة، فلم تفلح الأندية الإيطاليّة في جذب نجوم الجيل الجديد ليحلّوا محلّ نجوم الجيل القديم الذين إمّا اعتزلوا كرة القدم أو غادروا إيطاليا إلى أماكن أخرى، والنتيجة؟ كانت هذا التفريغ التدريجيّ للدّوري الإيطالي من النجوم، حتى وصل إلى ما نراه اليوم، خَرِبًا خاويًا على عروشه إلا من اليوفنتوس الذي يغرّد وحده في سرب آخر.

   

لم يُفلح صنّاع القرار في إيطاليا من التخلّص من البيروقراطيّة المقيتة التي حرمت معظم الأندية من بناء وامتلاك ملاعب خاصّة بها -ولمن لا يعلم، فمعظم ملاعب إيطاليا مملوكة للبلديّات والأندية تستأجر تلك الملاعب فقط-، الأمر الذي شكّل ضربة كبيرة لمداخيل الأندية التي كانت تعاني أصلا من ضائقات ماليّة كبيرة، نتيجة للأزمة الاقتصاديّة التي عصفت بإيطاليا. كما أنّ هذه البيروقراطيّة لم تكن سدًّا منيعًا في وجه امتلاك الملاعب فقط، بل أيضًا في وجه الاستثمار الخارجيّ وعقود الرعايّة التي كانت إنجلترا أكثر تساهلا فيها وما "جنّة المال" التي نراها في "البريميرليج" الإنجليزيّ اليوم إلا نتاج ذلك.

 

لستُ هنا لأمجّد اليوفنتوس، لكنّه وحده من يستثني القاعدة في إيطاليا، فهو من الأندية المعدودة التي تمتلك ملعبها الخاص -واليوفنتوس بالمناسبة لا يمتلك ملعبًا فقط، بل "قرية" تضمّ مراكز تسوّق وفنادق وعيادات طبيّة ومركزًا تدريبيًّا خاصًّا- وهو وحده من يجذب عقود الرعاية الضخمة والنّجوم الكبار في إيطاليا؛ لذلك كلّه، هو وحده من إيطاليا من يُعدٌّ كبيرًا بحقّ على السّاحة الأوروبيّة حاليًّا، في الوقت الذي تجاوزت فيه أندية مثل مانشستر سيتي وتوتنهام وتشيلسي وباريس سان جيرمان وأتليتيكو مدريد. -مع كامل الاحترام- أنديّة عريقة مثل الميلان والإنتر!

  

لوحده يغرّد اليوفنتوس خارج سرب إيطاليا رغم تضرّره الكبير من حادثة "الكالتشيو بولي" والتي تمثّل أيضًا نموذجًا لفساد إدارة كرة القدم في إيطاليا، وليس عن اليوفنتوس هنا أتحدّث، وإنّما عن إدارة مؤسّسة كرة القدم في إيطاليا في تعاطيها مع ما حدث، والأدلّة والأحكام المضحكين أيضًا، تلك الحادثة التي وُجِدَت من أجل تنفيع أناس ذوي نفوذ، وتلك حكاية أخرى لمن أراد أن يبحث ويقرأ.

   

  

مؤخّرًا -وفي سياق سوء الإدارة-، قام الاتّحاد الإيطاليّ بإقامة مباراتين متتاليتين لا يكاد يفصل بينهما يومٌ على ملعب واحد كان "الأوليمبيكو" في روما، فلعبت عليه أولاً مباراة بين "لاتسيو" و"نابولي"، أُتبعت بمباراة "روما" و"يوفنتوس" في الليلة التالية، والنتيجة؟ خسارة لاعبين من المباراة الثانية كانا الإيطالي "زانيولو" لاعب "روما" والتركي "ديميرال" لاعب اليوفنتوس بعد إصابتهما بالرباط الصليبيّ، وهي واحدة من أشدّ أنواع الإصابات خطورة على لاعب كرة القدم، حيث تسبّب غياب اللاعب عن الملاعب لمدّة تقارب نصف العام، ومن أكثرها ندرة أيضًا، حيث لا يُسمع بها بشكل متكرّر، فما بالك بأن يصاب لاعبان بها في مباراة واحدة؟

  

دفع كلا الواعدان "زانيولو" و"ديميرال" -وهما بالمناسبة من المواهب الصاعدة بشكل قوي على ساحة كرة القدم العالمية- ضريبة هذا القرار الذي افتقد لأدنى ذرّات المنطق، حيث انتهى موسمهما الكروي، كما لن يشاركا مع منتخبات بلديهما في بطولة الأمم الأوروبية "اليورو" القادمة. ملعب "الأوليمبيكو" نفسه -وهو الملعب الرّئيس في العاصمة روما وواحد من أكبر ملاعب إيطاليا- يثير العديد من علامات الاستفهام حول جاهزيّته أصلاً للعب كرة القدم، ففي المواسم الخمس الأخير، أصيب 19 لاعبا من فريق "روما" بالرباط الصليبيّ على أرضيّة هذا الملعب!

 

البضاعة الجيّدة لا تعني -بالضّرورة- نجاح المشروع. من المحال أن ينجح مشروعك إن لم تمتلك إدارة جيّدة، وغياب هذه الإدارة يؤدي إلى فشل المشروع وخسارة البضاعة أيضا!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة