الصحبي الماجري
الصحبي الماجري
2 k

هل انتصر الرئيس التونسي قيس سعيد على الأحزاب؟

22/1/2020

لقد فشلت الأحزاب التونسية في تشكيل حكومة جديدة على أسس التوازن السياسي داخل البرلمان. كما فشلت في تشكيل حكومة ثورية باعتبار أن الناخبين مكّنوا القوى المنسوبة للثورة من الأغلبية المطلقة في البرلمان ولكن خلافاتها وصراعاتها الأيديولوجية كانت أكبر من الثورة وقيمها ومصالحها الحزبية والشخصية الضيقة كانت أكبر من مصلحة تونس ومصلحة شعبها الذي اختارها ووثق بها. إنه فشل ذريع للقوى السياسية في إدارة الشأن العام طبقا للمصلحة العامة وبالترفع على المصالح والأحقاد الأيديولوجية التي فجرت دول الجوار وحولتها إما للحرب الأهلية أو العودة للاستبداد وما يحصل لليبيا ومصر ليس ببعيد.

 

فشلت القوى السياسية في تشكيل الحكومة وفقدت قدرتها على المبادرة وتحول الأمر كله للرئاسة التونسية وأصبحت قرطاج مركز الثقل وانتهى دور باردو والقصبة والكل في حالة انتظار، إن الرئيس التونسي بصفته أستاذ قانون دستوري قد تعامل مع هذه الأحزاب بما يليق بها. فأرسل لها ما يدعوها لتقديم اقتراحات مكتوبة حول من تراه مناسبا لرئاسة الحكومة وأن تضع مكتوبها في مكتب الضبط المركزي لمؤسسة الرئاسة. ذاك ما يليق بهم وهو أن يعاملوا كأنهم مراجعين لدائرة حكومية وهي في يدها أن تقبل أو ترفض وأن تطلب منهم مزيد التوضيح متى رأت ذلك ضروريّا. لا يستحقون أن يتفاوض معهم الرئيس مباشرة فهو لا يمتلك وقتا ليضيعها في الحوار مع من عجزوا عن بناء حوار فعال فيما بينهم. لا وقت للشعب للانتظار أكثر ولإضاعة الوقت في حوارات عقيمة مع قوى أصابها العقم السياسي.

  

ما يحدث الآن في تونس هو انتصار ساحق لرؤية الرئيس التي تعتبر الديمقراطية النيابية التي تسيطر عليها الأحزاب هي سبب الفشل الذي تعانيه تونس بعد الثورة وأنه حان الوقت لتغيير النظام السياسي وقانون الأحزاب. بل يدعو بعض منظري الرئيس لزوال الأحزاب وأن عصر الأحزاب قد انتهى وحان الوقت للعودة مباشرة للشعب عبر نقل السلطة من الأعلى إلى الأسفل ومن الانتخاب على القائمات الحزبية إلى الانتخاب على الأفراد وأن يكون المترشح من المقيمين المباشرين داخل الدائرة. وأن يكون هناك آليات لسحب الثقة من العضو مباشرة من قبل ناخبيه. فالديمقراطية المجلسية هي الخيار الجديد والأفضل لتونس حتى نحرر المجالس المنتخبة من المهرجين والانتهازيين والفاسدين.

  

لم يترك الرئيس للأحزاب والنواب المستقلين إلا خيار واحد وهو الموافقة على الحكومة التي سيختارها مهما كان رئيس الحكومة الذي سيختاره وإلا فقدوا مواقعهم وبصفة نهائية في هرم السلطة

إن فشل الأحزاب في تشكيل الحكومة والتهريج الغالب على جلسات البرلمان وخطاب الكراهية والحقد الغالب على خطابات النواب بما ما يمثله من تهديد للسلم الاجتماعي والحروب المستعرة بسبب هؤلاء في الفضاء الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي مما يهدد وحدة البلاد ويهدد بتحول الحرب الافتراضية إلى احتراب أهلي. كل ذلك يثبت أن رؤية الرئيس في طريقها لأن تكون بديلا مقبولا شعبيّا للتحرر من مهرجي البرلمان ولحماية مستقبل البلد التي جعلها هؤلاء تقف على حافة الهاوية.

 

إن ما يحدث يمثل انتصار ساحق للرئيس على الدولة العميقة التي تحرك هؤلاء كالبيادق ودفعتهم دفعا لعدم التوافق والاتفاق على الحكومة وأظهرتهم عاجزين عن إدارة الشأن العام دونها. لقد عملت كل القوى التي تحركها الدولة العميقة والثورة المضادة في الإعلام والفضاءات الافتراضية على محاولة إهانة الرئيس واستعملوا نفس اللغة والأدوات التي استعملت للإساءة للرئيس السابق المنصف المرزوقي ولكن هذه المرة ونظرا لعدم خبرة أغلب السياسيين وسيطرة حقدهم الأيديولوجي على خياراتهم السياسية وعدم قدرتهم على التعايش مع الغير وتمسكهم بمنطق الاستئصال والسلب للأخر. فطبعهم غلب على تطبعهم ففشلوا وذهب ريحهم.

 

الآن أصبحت كل أطراف اللعبة بيد الرئيس. وهو غير ملزم إلا بنص الدستور والتشاور المكتوب أو المباشر معهم لا يلزم الرئيس باختيار واحد ممن يقترحونه بل ملزم باختيار الأقدر طبقا لتقديره، سيختار الرئيس من يراه مناسبا لرؤيته للوضع التونسي وهي رؤية تعتبر أنه حان الوقت للتركيز على الجانب الاقتصادي والاجتماعي بعيدا عن المهاترات السياسية والتهريج البرلماني. سيختار الرئيس من يراه الأقدر لحل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية في المجتمع والسياسة ومحاربة الفساد المتغلغل في مؤسسات الدولة والضرب بيد من حديد على الجريمة المنظمة التي خذتها الدولة العميقة والثورة المضادة حتى تدفع عموم الناس للكفر بالثورة وقيم الحرية والكرامة ونبذ الدولة الديمقراطية.

 

ماذا بقي للأحزاب؟

- قبول الحكومة التي سيشكلها الأقدر الذي سيختاره الرئيس بما يعنيه ذلك من تمكين للرئيس من السيطرة الكاملة على السلطة التنفيذية والحصول على صلاحيات أكبر مما أعطاه له الدستور ومن تهميش للسلطة التشريعية التي ستصبح تحت رحمة الرئيس الذي بإمكانه حل البرلمان في أي وقت كلما عرقلت الأحزاب عمل الحكومة وحاولت تعطيل الخيارات التي ستتبناها الحكومة الجديدة للرئيس.

  

- رفض الحكومة التي سيشكلها الأقدر الذي اختاره الرئيس وبالتالي حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة لن تمكّن أغلب النواب من العودة للبرلمان. فعدم منح الثقة للحكومة يعنى النهاية السياسية للعديد من الأحزاب ونهاية حلم النيابة وما تحققه من مصالح شخصية ومكانة اجتماعية للعديد من النواب كما تمثل بداية المحاسبة للنواب المتهمين بالفساد والمتحصنين بالحصانة البرلمانية. وحين تعاد الانتخابات ستفوز تنسيقيات الرئيس بالأغلبية المطلقة.

 

لم يترك الرئيس للأحزاب والنواب المستقلين إلا خيار واحد وهو الموافقة على الحكومة التي سيختارها مهما كان رئيس الحكومة الذي سيختاره وإلا فقدوا مواقعهم وبصفة نهائية في هرم السلطة، إن الرئيس التونسي قيس سعيد قد انتصر على القوى السياسية وبالضربة القاضية ومهما كانت خياراتهم بقبول الحكومة أو رفضها فهو المنتصر الدائم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة