مؤتمر برلين.. فرصة للسلام أم تقزيمٌ للدور التركي في ليبيا؟

21/1/2020

انتهى مؤتمر برلين من حيث بدأ، لا حل في الأفق ولا توافقات بين الفرقاء الليبين واستمرار الصراع الدولي حول بلاد العقيد الذي تركها شعوباً وقبائل متناحرة من أجل السلطة، ليعرف الجميع الآن أن الراحل معمر القذافي لم يؤسس لمفهوم الدولة طيلة أربعة عقود من الحكم بالحديد والنار. في برلين اجتمع الكل وتفرق الجميع كل يغني على ليلاه وكل يركب قاطرة مصالحه فوق ظهر الشعب الليبي الذي يعاني من حرب طاحنة منذ ٢٠١١، أخد الزعماء صوراً تذكارية لتأريخ اللحظة التاريخية في تحقيق الفراغ، ظهر الجميع إلا الفاعلين المتواجهين فايز السراج رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، وخليفة حفتر جنرال الانقلاب وقائد الجيش الوطني الليبي، هذا الثنائي وضعتهما ألمانيا في غرفتين منفصلتين بسبب استمرار الخلاف بينهما وأخبرهما وزير الخارجية الألماني بمخرجات المؤتمر دون التوقيع على أي شيء كأنه فرض لواقع معين وأن الأمر تجاوزهما وأصبح في يد الكبار.

محاولة إزالة الدعم التركي لحكومة الوفاق

حضرت تركيا باعتبارها الداعم الوحيد لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، لكن الأوروبيين يرون في هذا الدعم التركي وتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا وتقديم هذه الأخيرة لدعم عسكري ولوجيستيكي يرون فيه تهديداً حقيقيًا لمصالحهم في ليبيا، قد يكون مؤتمر برلين فرصة سانحة لسحب البساط من تحت تركيا من خلال مشاركة كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا ومصر والإمارات والجزائر بالإضافة إلى منظمة الأمم المتحدة وهيئات أخرى. التزم المؤتمرون بدعم الهدنة ومنع توريد الأسلحة إلى ليبيا، رغم أن الجالسون على طاولة المؤتمر هم أنفسم من يوردون أسلحة متنوعة للجنرال حفتر لقتل المدنيين والانقلاب على الشرعية. ولم يكن للحظور العربي أي وزن يذكر باستثناء تأثيث صور الختام.

غياب قطر وجدوى حضور الإمارات
خلف الكواليس كان التقارب التركي-التونسي يشكل هاجساً للداعمين لخليفة حفتر خصوصا بعد الزيارة الأخيرة للرئيس رجب طيب أردوغان لتونس ولقاءه بالرئيس قيس سعيد، هذه الزيارة رأى فيها البعض تنسيقاً بين تونس وتركيا لدعم الشرعية في ليبيا

شكلت قطر دعامة أساسية للشعب الليبي منذ ثورة فبراير ٢٠١٢، فمنذ ذلك التاريخ ما فتئت قطر تقف إلى جانب الشرعية في ليبيا، هذا المعطى جعل العديد يتسائل عن خلفيات عدم دعوة قطر لحظور مؤتمر برلين، وشككوا في قدرة المؤتمر على بلورة توافق في غياب فاعلين رئيسيين عايشوا الأزمة الليبية منذ بدايتها. قبل أيام دعت تركيا إلى تقديم دعوة رسمية لقطر لحظور مؤتمر برلين لدورها البارز في إيجاد الحلول الممكنة، لكن دون جدوى غابت قطر وحظرت الإمارات أكبر داعم لخليفة حفتر الذي أريد له أن يحكم ليبيا من فوق دبابة كما يقال. دعوة الإمارات رأها البعض تحايلا أوروبيا على القضية الليبية وتشكيكا في نوايا المؤتمر للبحث عن السلام المفقود، إذ كيف يتم إبعاد المساهمين في السلام ودعوة الداعمين للانقلابيين (مصر والإمارات).

تونس النكسة الأخرى

تربط تونس مع ليبيا حدود برية وبالتالي فإن استمرار القتال داخل الأراضي الليبية من شأنه أن يؤجج الصراع على الحدود وهو ما تراه تونس خطرًا عليها، ودعت المجتمع الدولي فيما مرة إلى تحمل مسؤوليته في ما يقع داخل ليبيا، فالحضور التونسي كان أساسيًا لطرح رؤية السلام. تمت دعوة تونس قبل يومين من المؤتمر فيما اعتبرته الخارجية التونسية تقصيرا من طرف المنظمين لاستحالة التحضير للمؤتمر خلال يومين فقط.

خلف الكواليس كان التقارب التركي-التونسي يشكل هاجساً للداعمين لخليفة حفتر خصوصا بعد الزيارة الأخيرة للرئيس رجب طيب أردوغان لتونس ولقاءه بالرئيس قيس سعيد، هذه الزيارة رأى فيها البعض تنسيقاً بين تونس وتركيا لدعم الشرعية في ليبيا، وبالتالي فحضور تونس وتركيا وقطر والمغرب سيعطي زخماً قويا لحكومة الوفاق وهذا ما كان يخشاه أصدقاءُ حفتر.

مؤتمر الصخيرات بداية الأمل

استغرب وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة من عدم دعوة المغرب لحضور مؤتمر برلين رغم تبني المغرب مؤتمر "الصخيرات" سنة ٢٠١٥ برعاية الأمم المتحدة وكان لبنة أساسية أوقفت الحرب الأهلية في ليبيا وأدخلت الفرقاء السياسيين في حوار بناء. استغراب المغرب جاء من منطلق واقعي يقول إن المغرب كان عراب السلام في ليبيا وكان يمكن لتوصيات مؤتمر الصخيرات أن تكون مادة رئيسية في البحث عن حلول أخرى إذا أرادت الأطراف الأخرى السلام الحقيقي من خلال مؤتمر برلين.

لكن إضافة المغرب إلى لائحة "الغير مدعوين" زاد من التشكيك في قدرة المؤتمر على إنقاذ الليبيين من طيران حفتر وحلفاءه في الداخل والخارج. إيجازاً لكل ما سبق نلاحظ ان من يجري في فلك دعم الشرعية والتي تمثلها حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج قد ثم تجاوزه وتهميش دوره بشكل غير مبرر (قطر-تونس-المغرب)، كما ان الدور التركي البارز سياسيًا لحد الساعة ينظر اليه الأوروبيين بعين الشك وتهديداً لمصالحهم، وسيشكل مؤتمر برلين فرصة لفرملة النفوذ التركي في ليبيا وإعادة اللعبة منذ البداية من اجل الفوز بها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة