حرزالله محمد لخضر
حرزالله محمد لخضر
737

المعضلة الفكرية للمجتمعات العربية وأصناف العقل العربي

22/1/2020

"إن لم تزد على الحياة شيئا، كنت أنت الزائد عليها"

مصطفي صادق الرافعي

  

لقد شغلت حالة التردي الفكري والحضاري للمجتمع العربي-الإسلامي، ألبابَ وخواطرَ البَحّاثة والمفكرين على مدار العقود الغابرة والحاضرة، متلمسين لعِللها ومحققين في أصولها التاريخية والذاتية، سَاعِين في ذلك إلى تَحَسُّسِ وتتبع خلفيات ومسببات التراجع الحضاري والاندحار الفكري والانحدار القيمي الذي دهى الفكر والعقل والوجدان العربي، فأَرْدَاهُ في مؤخرة الركب بحثا وتنظيرا، ووَعْيًا وتطويرا، وهو آخذ في الانحسار والتأزم مع تمدد الزمن، وتعدد الإِحَنِ، وتوارد الفتن، على ربوع العالم العربي-الإسلامي، وفي هذا السياق لنا أن نتساءل: هل المعضلة الفكرية للمجتمعات العربية هي نتاجُ موروثٍ استعماري أم عجز ذاتي؟

 

إن عالمنا العربي-الإسلامي ورث غداة الاستقلال وضعا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا مأزوما ومكلوما، وفي الوقت ذاته استفاق على واقعٍ فكري وعلمي أشد بؤسا وأشد تنكيلا، إذ عمد المستدمر إلى تشويه العقل العربي وتفريغه من أيّ "كفاءة إدراكية" وقدرة على التحليل والتفكير والإبداع، من خلال استراتيجيات وعمليات نفسية وفكرية دقيقة وممنهجة استهدفت آلة الفكر واللغة ومقومات الهوية والشخصية الوطنية، فأفرغتها من محتواها الأصيل وغمرتها بالدخيل الهزيل، من خلال تغذية العقل وشحنه بمنظومة من الأفكار القاتلة والميتة وعديمة الفعالية لتجعله مغتربا عن كيانه، مستشعرا للعجز في ذاته، فاقدا للثقة في إرادته، مأسورا بإرادة غيره وقيادته.

 

إلا أن إلقاء التَّبِعَةِ على المستدمر وتحميله مسؤولية كل نكبات العالم العربي-الإسلامي، هو مُرْتَكَزٌ هَيّن لا تستقيم به الحُجّة ولا تَستبين به المحجّة في رأي ثلة من المفكرين، إذ أن كثيرا من مظاهر التبعيّة والهزيمة الفكرية وأصول التخلف الحضاري ترجع أساسا إلى الذوات والإرادات وعقم الأفكار وما تشبعت به النفوس عبر مسارات تاريخية طويلة، وإبان عهود ومحطات عديدة سبقت أحقاب الاحتلال من معتقدات ومفاهيم مغلوطة، وتصورات وخرافات معطوبة، وتفسيرات مجافية لسنن الحياة والتفكير العقلاني والإبداع والعلوم والحضارة، جعلتنا في خصومة مقيتة مع العلم والفلسفة والفكر والفطرة والمنطق السليم والطرح المنهجي المؤسس على الوعي المستنير.

 

العقل الغارق يكون الماضي هو "البوصلة" التي تحدد تصوره وحكمه على الحاضر والمستقبل، فهو عقلٌ راحلٌ في غياهب الماضي مرتهنٌ به ليجد فيه تفسيراتٍ وحلولٍ لحاضره ومستقبله

إن المعضلة الفكرية للمجتمعات العربية-الإسلامية تعود في بعض أسبابها إلى نوعية التفكير وأنماطه وأدواته الذائعة بالمجتمعات العربية الحديثة، وهي مرتبطة أساسا بأصناف العقول التي تطبع وتنتج هذا النمط من التفكير وتضفي عليه حاكميةً على الاعتقاد والأداء، وقد قسم أستاذ الفلسفة العراقي د.علي عبود المحمداوي العقل العربي إلى ثلاثة أصناف وهي: العقل الغارق والمارق والفائق، وأضيف رابعا وهو: "العقل الخارق" ودونك بيانها:

  

العقل الغارق

هو "الغارق في التراث والمحكوم بكلام من سبق" الذي يرتد تفكيره نحو أحداث ماضويّة بمآسيها ومنجزاتها، فالماضي هو "البوصلة" التي تحدد تصوره وحكمه على الحاضر والمستقبل، فهو عقلٌ راحلٌ في غياهب الماضي مرتهنٌ به ليجد فيه تفسيراتٍ وحلولٍ لحاضره ومستقبله.

 

العقل المارق

هو "الرافض للتراث الذي ينفي الارتباط بالماضي والتقاليد إيمانا منه بأن القادم هو الأفضل دوما" وهو العقل المنقطع عن أصوله فلا يَصْدُرُ عن مرجعيته الوطنية، وإنما هو تائه بين مرجعيات متباينة ومتناقضة يقلد دون تبصّر أو دراية، أو مَشْدُوهٌ بما عند الآخر من فكر ومنجز حضاري جعل منه محل اسْتِلْهَامِهِ ومورد اسْتِمْدَادِهِ، وكلاهما يمثلان عقلا استهلاكيا للفكرة والمادة ولا يعبأ بإنتاجها أو بمصدرها.

 

العقل الفائق

وهو "المتعاطي مع التراث بطريقة براغماتية وواقعية، الذي يتناول المواضيع بنوع من عدم القطع أو الغرق في التراث من خلال التمسك بما يُعدُّ مفيدا لنا زمنا ومكانا." فهو قد اتخذ من الماضي مُسْتَأْنَسًا لفهم الحاضر وهندسة المستقبل، وهو يحسن الموازنة المنطقية بين موضوعية التاريخ ونسبيّته وواقعية الحاضر وحتميّاته وآفاق المستقبل ومستجداته ومتطلباته.

 

العقل الخارق

هو العقل المبدع الخلاق المفكر بنمط غير اعتيادي أو تقليدي، الذي يحسن تدبير المآلات والمنهمك في استجلاء ما وراء حجاب الزمان والمكان من الأسرار الكونية والحقائق العلمية، متطلعٌ للتجديد بمقدراته الذاتية وطاقاته الإبداعية، وهذا الصنف عزيزٌ، وجُلُّهُ مُستنزف في بلاد العرب أو مُستثمَر في بلاد الغرب.

 

إن الصنفين الأولين يمثلان الفئة الغالبة في عالمنا العربي-الإسلامي المعاصر مع وجودٍ نسبيٍّ للصنفين الأخيرين، ولهذا فإن انساقنا الفكرية لم تتحرر بعدُ من أغلال الماضي بأحكامه وترسباته وتصنيفاته وطوائفه وعلومه وفهومه وأثقاله ومخلفاته ونمطياته، فلم نستطع إنتاج معارف جديدة وفتق مدارك فريدة كما فعل الأولون، بل ويظل الماضي-في القرن21-مؤطرا لتصوراتنا وحاكما على سلوكياتنا، وهو ما حَدَا بالكثير من فطاحلة الفكر العربي الحديث ورواد الإصلاح للتنبيه باكرا إلى خطورة هذه المعضلة الفكرية، فعمدوا إلى استقصاء خلفياتها وجناياتها على الوعي والعقل، فأجادت قرائحهم تشخيص علل الانتكاس، وتحديد ركائز الانبعاث، ومن هؤلاء: جمال الدين الأفغاني، الكواكبي، محمد عبده، محمد البشير الإبراهيمي، عبد الحميد بن باديس، مصطفى صادق الرافعي، عباس محمود العقاد، محمد عابد الجابري، شكيب أرسلان، رفاعة الطهطاوي، قاسم أمين، زكي نجيب محمود، علال الفاسي، عبد الرحمان بدوي وغيرهم.

 

وضع استراتيجية مجتمعية شاملة قائمة على الوعي والتنمية الفكرية وتشجيع القراءة والاستثمار في المورد البشري وتنمية التفكير الإبداعي

كما سعى المفكر الجزائري مالك بن نبي-رحمه الله-من خلال سلسلة مؤلفاته التي كتبها تحت عنوان "مشكلات الحضارة" إلى استجلاء أسباب الانتكاسة الفكرية للمجتمع المسلم فأدت إلى ركوده وتخلفه عن صناعة الإنجاز الحضاري، فوضع ميسمه على مخادع العلل محاولا توصيف العلاج الملائم، بعد اسْتِكْنَاهِ أسباب التدهور الفكري والحضاري وجذوره، فقدم إسهامات فكرية رائقة في سبيل الانعتاق من البطالة الفكرية والتكلس العقلي وفتور الهمة وتراجع مستوى الإنتاج المعرفي، وغياب المنطق العملي وفعالية الأفكار في زمن الثورة المعرفية والطفرة العلمية، وأَسَّسَ عبر أطروحاته لآفاق بناء وهندسة الوعي وفق روح العصر وأدواته.

  

إن معالجة المعضلة الفكرية للمجتمعات العربية الراهنة يتطلب -كخطوة أولية- ما يلي:

أولا/تحديد مكامن الاختلال والاعتلال:

1- وذلك بتوصيف طبيعة الحالة الفكرية المعاصرة والأسباب المتحكمة فيها.

2- استقراء العوامل والمسببات العميقة للجمود الفكري عبر المسارات التاريخية.

3- وضع تصور واضح لتقسيمات الأفكار وقيمتها واتباطاتها بالوهن الحضاري.

4- تحديد مصادر تغذية واستمرارية العجز الفكري الذاتي والخارجي بالمجتمعات العربية.

  

ثانيا/إرساء أسس وآفاق الانبعاث الفكري:

1- وذلك بإعادة إحياء حركية العقل الجمعي، واستعادة ثقته بقدراته الذاتية على البناء والارتقاء، بتفعيل حركية المراكز الإقليمية والدولية للأبحاث والمعارف والدراسات المختلفة.

2- تغيير الِجبلَّاتُ الرديئة للنفوس؛ الموروثة عن عهود الانحطاط، والتشبع بالقيم الإيجابية والفعالة المحفزة على العمل والجودة كمَعالمَ هادية للفكر والإرادة.

3- وذلك بتطوير أداء المؤسسات التعليمية وترقية الخطاب المسجدي وتفعيل دور الأسرة والمنظمات المدنية في مجال الفكر وبناء الانسان.

4- وضع استراتيجية مجتمعية شاملة قائمة على الوعي والتنمية الفكرية وتشجيع القراءة والاستثمار في المورد البشري وتنمية التفكير الإبداعي.

5- الاهتمام بالتعليم والمناهج الدراسية وترقية تنافسية وجودة الأداء التعليمي والبيئة التعليمية العامة (السياسات العامة، البيداغوجيا، الأساتذة، النظام التعليمي).

6- الاهتمام الرسمي بالوظائف التي تضطلع ببناء الإنسان وتنمية الوعي والمعرفة والتمكين لها مجتمعيا ووظيفيا وماديا ومهاريا، كالأساتذة والمربين والمعلمين والأطباء والأئمة والإعلاميين...الخ.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة