عن الرواية التي لا تزال أحداثها جارية (5)

27/1/2020

تَشرّفت تتريت بالتعرف على ذكرى خديجة، وحصل ذلك بعد أن أنهى أنير سرد حكايته التي استهل بها حياته العاطفية. ما يترسخ في الذاكرة ينطوي على مواجع نُحاول أن نبررها وأن نخفيها بكل ما نستطيع، ولعل تجاربنا الجديدة في الغرام تُلح على معرفة أسرارنا القديمة. يبدو أن ارتباط خديجة بأنير كان بمثابة فأل خير لها لتتزوج من آخر، ولم تكن الأولى التي ستعيش على هذا الفأل، هناك أخريات مررن من حياة أنير، وتزوجن مباشرة، وهناك أخريات لم يساير ارتباطهن بأنير فأل الزواج، فصارت تجارب أنير معهن مجرد مغامرات عاطفية، وكان أنير بدوره مجرد تجربة مرت من حياة كل واحدة منهن. في مجتمع كهذا، تصير التجارب من هذا النوع متاحة أكثر، لكن من الناذر أن يكون النجاح حليفا لهذه العلاقات، قليلات من يتحملن مشقة الحب من أجل شريكهن، وقليلون من يتشبتون برفيقاتهم في ظل الخذلان التي بات جزء من تجربتنا الوجودية.

 

عندما نُحس بأننا لا نقدر على تحمل تبعات الحب، نرغب فورا في الانسحاب، ونبحث عن أقرب الأعذار لذلك، ولأننا أشرار بطبيعتنا، فإننا عندما نقرر الانسحاب لا ننفك نلوم شريكنا على أبسط أخطائه، وقد تكون الأخطاء التي غُفرت لنا أعقد مما نلوم حولها شريكنا. استهل أنير حياته العاطفية بتجربة فاشلة، وبعدها استحالت حياته إلى علاقات من هذا النوع، ولم تكن علاقته بخديجة سوى بداية لعلاقات أشد تعقيدا وفشلا من تجربته الأولى، رغم كل ما كان يستشعره أنير خلالها من استمتاع وسعادة. شعورنا بالسعادة في علاقتنا العاطفية لا يعني أننا نعيش حبا حقيقيا، يبدو أن ذلك نابع من شعورنا بأن هناك من يكترث لنا، كما أننا نعيش على غرار ما نتوهم أنه يشكل فعلا مصدر سعادة الآخرين. بعد أن اطلعت تتريت على أرشيف خديجة، مما يزعُم أنير أنه اختبره، ظلت متحفظة على غيرتها، لكن ما يلاحق أقوالنا من نوايا يظل جزء من طبيعتنا البشرية، نخطئ عندما نعتقد أن الآخر يصدقنا تماما، لا يصدق الآخرون إلا ما يناسب نواياهم.

 

يحكمنا حنين غير مفهوم إلى الذكريات، رغم كل ما تنطوي عليه من غموض، وهو حنين يُذكرنا بأن ماضينا يظل أفضل من حاضرنا في جميع الأحوال، ونحن مخطئون حتما في ذلك، فما يجعل هذا الحنين إلى الماضي جميلا هو أنه لن يعود

بقدر ما كان أنير صريحا وصادقا في حكاياته، كانت تتريت مليئة بالشك في ما يحوم حولها من ذكريات، لقد علمتها الفلسفة أن تشك في كل شيء، لكن في عالم الحب، لا ينبغي أن نختار الشك طريقا في استنطاق الشريك، قد تكون الثقة كافية لهذا الغرض، وبقدر ما هي كافية، بقدر ما يصعب الحصول عليها، أو بالأحرى بناؤها، في الغرام تصير الثقة بمثابة نهج صائب لترميم ما قد تحطمه الظروف أثناء تجربتنا الغرامية، لكن أن تصير الثقة جزء من الغرام، فذلك يتطلب إخلاصا ووفاء حقيقيين، ولن ننجح في الحب مهما تظاهرنا دون أن نتسلح بالوفاء وأن نبني علاقتنا على ثقة متبادلة. وعلى هذا الأساس يحاول أنير أن يبني علاقته بتتريت؛ يرغب بعمق أن يعيش تجربة مختلفة معها، لكن ذلك يتطلب الكثير من الحب وأشياء أخرى.

 

لقد افتتحتُ حياتي بخديجة، وتعلمتُ منها أن الحب الحقيقي لا ينجح إلا بواسطة التضحيات والصدق المبالغ فيه، لكن تجربتي مع نادية علمتني أشياء أخرى، فبقدر ما كُنتُ معجبا ومتورطا في نادية، بقدر ما كانت غير مكترثة لما قد أُذرّ عليها من مشاعر، يبدو أن اهتمامها بالمشاعر أقل من اهتمامها بأشياء أخرى كالمال مثلا، وهو الأمر الذي عجّل بنهايتنا، لقد انتهينا قبل أن نبدأ، وتجربتي معها، كانت تحتمل كل شيء غير الحب، كان يمكن أن نكون صديقين، لكن تسرُّعنا في اختيار عالم الغرام لم يكن ملائما لنا، خسرنا بعضنا مباشرة بعد هزيمتنا تلك، ولن تعود عجلة صداقتنا إلى الدوران إلا بعد أن مضت عدة سنوات من حياتنا، صار كل واحد منا شخصا آخر، وصار حبنا الفاشل مدعاة للسخرية، وكان سيكون العكس لو أدركنا منذ سقوطنا الأكبر أن الحب لا ينجح إلا بحسن الاختيار، وقبل ذلك أن نكون ناضجين بما يكفي لنقتنع باختياراتنا.

 

كنتُ أشعر أنني ونادية مناسبين لبعضنا البعض كثيرا، لدي شك كبير في أن يكون هذا الشعور متبادلا، لقد كنا كذلك في نظر أصدقائنا أيضا، لكننا لم ننضج بما يكفي لكي نلعب لعبة الحب، وفق ما تفرضه هذه اللعبة من قواعد، كنت خائفا أن تُدمر نادية مشاعري، وهذا الخوف منعني من التورط فيها أكثر مما يلزم، احتطت كثيرا في مشاعري معها، وكانت تدرك بيقين أنني ألعب معها هذه اللعبة بقليل من المشاعر وبكثير من الحذر، أما ما يستدعيه الحب من ممارسة لم يكن في متناولنا، ولهذا كنا نكتفي بما سيُعجل بنهايتنا، ولقد انتهينا، ورغم أننا كنا نُظهر ارتباطنا آنذاك، إلا أن نفورنا كان واضحا في سرنا، وكنا ندرك أننا لا نليق بالحب، قد نليق بكل شيء سوى الحب، فمراهقتنا وعدم نُضجنا لم يكونا في صالح الحب الذي كنا نشتهي أن نعيشه، وبشكل مثير للسخرية كنا نشتهي حبا أكبر مما نشتهي.

 

كانت نادية فتاة قصيرة، ترتدي نظارات نظرا لضعف بصرها، يبدو أن إعجابي بها جعلها تبدو جميلة رغم كل عيوبها، شكلها جذاب ومثير من منظور إعجابي بها، وأنوتثها واضحة بقوة، تأكدت من ذلك بعد أن عادت عجلة صداقتنا إلى الدوران، كما أنني لم أنسى جمالها الذي ورطني فيها بشكل لم أفهمه بعد، ليست لدي تفاصيل دقيقة عن طبيعة حياتها الآن، كل ما صار مفتعلا بيننا من تواصل افتراضي لم يكن ليشفي غليل حنيننا إلى الماضي، ولم يكن ليلبي احتياجات تجربة طائشة، لم نجد غير إنهائها حلا لكي ننتهي من مشاعر مزعومة كنا نكذب بها لكي نعيش حبا كما يفعل الآخرون، ونسينا أن النجاح في الحب يتطلب في البداية التحرر من الآخرين، ونحن دخلنا التجربة على غرار الآخرين، فكان طبيعيا أن ننتهي كما ينتهي الآخرون. الحب أعقد من أن نربطه بالأخرين، وأبعد من أن ننجحه إذا كان الآخرون في نظرنا قدوة ينبغي أن نقتدي بها، وبذلك سلكنا طريقا لا تليق بالحب، وذمر هذا التهور بعضا من مشاعرنا.

 

يحكمنا حنين غير مفهوم إلى الذكريات، رغم كل ما تنطوي عليه من غموض، وهو حنين يُذكرنا بأن ماضينا يظل أفضل من حاضرنا في جميع الأحوال، ونحن مخطئون حتما في ذلك، فما يجعل هذا الحنين إلى الماضي جميلا هو أنه لن يعود، ندرك بيقين تام أن هذا الماضي لن يعود، عندما يلتقي أنير مع أصدقائه، أولئك الذين كانوا على دراية بعلاقته بنادية، وإسماعيل واحد منهم، يتحدثون عن هذه التجربة بأنها كانت رائعة، لكن أنير وحده من يعلم أنها لم تكن لتليق أن نسميها تجربة، أما الحب فهو أبعد من أن نُدخلها في غماره. وتجربة أنير بخديجة تبدو أفضل مما اختبره مع نادية، لكننا نحن البشر نُصر دوما في الحصول على الأمور الصعبة، نرغب في التشبت بالأشياء التي لن تكون في متناولنا، على عكس الأشياء التي تظل متاحة لنا، لا ندرك هذه الأمور إلا بعد فوات الآوان، ولعل تورط أنير في خديجة لم يكن مكتملا، على العكس منها، أما مع نادية كانت الأمور مختلفة تماما، فنادية لم تكن مكترثة لأنير مشاعريا على الأقل، مما دفع أنير لكي يرغب فيها أكثر، لكن طبيعته تدفعه للتراجع كلما اكتشف أنه في المكان الخطأ.

 

تتريت فتاة مزاجية إلى حد كبير، خصوصا في اللحظات التي تفشل فيها مخططاتها، وبقدر ما تسكنها رغبة قوية في الابتعاد عن البشر، والهدوء الكبير، بقدر ما كانت الظروف تمنعها من ذلك، فلا تجد غير الانصياع لمزاجيتها المبالغ فيها، وأنير لم يجد بُدا من تفهم هذا الأمر، لقد اعتاد على ما هو أسوأ من ذلك، فكان طبيعيا بالنسبة إليه أن يتحمل مزاجية تتريت، وما تفرضه من غياب وابتعاد، لقد تعلم بما يكفي أن يكتفي بها، لأنه يشعر بكل ثقة أنها تكتفي به، وما أجمل أن يكون الاكتفاء جزء من تجربتنا الغرامية، لكننا لا نعلم علم اليقين ما تخبئه لنا الحياة من انتهاكات، يكفي أنها علمتنا أن نتوقع الأسوأ، لكن في الحب ينبغي أن نتوقع الأفضل دائما، رغم كل ما يقال حول تجارب الحب، ولعل إيماننا بأن الفشل هو جزء من كل شيء، لا ينبغي أن يمنعنا من الأمل في أن نكون استثناء، لكن هذا الأمل لا يكفي، لابد من جعل الأمور استثنائية بكل ما نملك من إرادة، ولابد أننا سنحقق ما نريد، إذا تشبتنا بالحب وأشياء أخرى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة