ساجي سنّو
ساجي سنّو
597

لبنان.. عن مسرح دمى أسموه حكومة تكنوقراط

28/1/2020

آنساتي، سيداتي، سادتي، أهلا وسهلا بكم. صالتنا تمتد على مساحة 10452 كم²، تطلّ غربا على روعة الضفاف الملوثة لشرق المتوسط، حيث مخزون النفط والغاز الموعود الذي طال انتظار استخراجهما، وشمالا وشرقا -حيث تترامى خيم اللاجئين في صقيع ثلوج سهل البقاع- على سوريا الجريحة النازفة، حيث تعربد الجيوش الأجنبية والميليشيات الطائفية العابرة للحدود، وجنوبا على فلسطين المحتلة الصامدة أمام ألاعيب صفقة القرن.

 

الثلاثي المرح للمقاولات السياسية، المخضرم في فنون الإلهاء والتمويه وتشكيل الحكومات – حزب الله، والتيار الوطني الحرّ، والتركة الثقيلة للنظام الأمني اللبناني- السوري – يقدّم لكم: "حكومة التكنوقراط". العرض افتتح في 21 كانون الثاني، ومستمرّ حتى إشعار آخر. ثلّة من الوجوه الطيبة السمعة في مجال اختصاصها، التي ليس لها باع في العمل السياسي، منقحة بنخبة من الكومبارس السياسي، تتنزّل فجأة من سقف المسرح بخيوط تحركها أياد مجهولة معلومة، على وقع انفلاش أدبيات الديماغوجيا، والتسطيح الذهني السياسي، وسخافات ثقافة الكيتش (kitsch) الشعبوي التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، أي على أنغام تلك الشعبويات التي ينحصر جل اهتمامها في الشكل، لا سيما في تسويق صورة نمطية للوزير المثالي، والتي لا تخلو من كثير من اليوتوبيا الطفولية وانعدام الجدية والواقعية، والفارغة من أي مضمون سياسي حقيقي، في حين أنّ الحاكم الفعلي هو السلاح غير الشرعي وحلفاؤه، الذي يتلطّون جميعا خلف مسرح الدمى هذا ويحرّكونه كيفما يشاؤون.

 

هو عرض فني يضاهي بتقنياته العالية أبرز عروض الكوميديا ديلارتي (commedia dell arte)، عرض لم تعرف مثيلا له مدينة البندقية وغيرها من الحواضر الإيطالية، تتفوّق شخصياته بأهمية أدوارها على شخصيات أرليكينو والكابيتانو وكولومبينا وإيزابيلّا. عرض تشارك فيه 6 شخصيات نسائية وضعت في الواجهة التسويقية لحكومة ساعد في إخراجها أكثر الأحزاب عنصرية ومعاداة لحقوق المرأة اللبنانية، لا سيما حقها في إعطاء جنسيتها اللبنانية لزوجها وأولادها. عرض يشتمل على مشاهد شعبوية خلابة يؤديها هواة من المسرح السياسي، مشهديات تستخف بعقل الجمهور، معتقدة أنها بهذه الطريقة ستنال إعجابهم.

 

وزيرة عدل يصدر مكتبها الإعلامي بيانا يتوعّد بمحاسبة من تعرّضوا للمتظاهرين السلميين أمام مجلس الجنوب في الجناح، ويشدّد على "ضرورة ملاحقة كل مرتكب، وأن حرية التظاهر والتعبير يكفلها الدستور ضمن القوانين المرعية الإجراء، واي محاولة لقمع هذه الحرية سوف تواجه بالإجراءات القانونية المناسبة"، في حين أنّه من المفروض أن تعلم علم اليقين (وإن لم تكن تعلم فالمصيبة أكبر) أنه من شبه المستحيل ملاحقة هؤلاء المرتكبين فعليا في ظل تسلط السلاح غير الشرعي الذي يقف وراءهم ووراء حكومة اللون الواحد التي هي ارتضت أن تكون وزيرة فيها.

 

المهم عند المخرج أنّ مسرحيته اكتملت عناصرها، فيستطيع أن يجعلها ورقة تفاوض في يد القوة الإقليمية التي يرتبط بها عضويا، في ظل الكباش الإيراني- الأميركي الحاصل في الإقليم

وزير تربية لم يمض على تسلمه لوزارته بضعة أيام، يكرّر الاطلالات الشعبوية في الإعلام وعلى وسائل التواصل، تارة يظهر واقفا في الصف داخل مصرف، وتارة يكتب جوابا على رسالة أرسلتها له تلميذة، وتارة يزور هذه التلميذة في بيتها، في حين أنّ المطلوب قبل أي شيء آخر في هذه الفترة العصيبة ليس الديماغوجيا والدعاية السياسية، بل إصلاح وزارته في العمق -لا سيما البرامج التعليمية- وتطهيرها من الهدر والفساد والمحسوبيات التي تنخرها كباقي الوزارات.

 

العرض من بطولة رئيس حكومة - حسان دياب - نال على أقلّ من ثلث أصوات نواب طائفته (السنية) عند تسميته، ارتضى أن يكون شاهدا على ضرب الميثاقية واتفاق الطائف والتوازنات التي أرستها وثيقة الوفاق الوطني. رئيس حكومة قَبِلَ أن يكون، في أحسن تقدير، أمين الحافظ لبنانيا، أو نور الدين الأتاسي لبنانيا، مع فارق كبير، ألا وهو أنّ الرئيس أمين الحافظ (رئيس سوريا بين ١٩٦٣ و١٩٦٦) حاول متأخرا التملص، بالتنسيق مع القيادة القومية للبعث (ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار)، من سطوة اللجنة الأمنية الطائفية التي كانت تحكم فعليا سوريا في عهده (القيادة القطرية للبعث). فحصل انقلاب عليه في ١٩٦٦، وتم نفيه إلى خارج سوريا.

 

أما الرئيس نور الدين الأتاسي (رئيس سوريا بين ١٩٦٦ و١٩٧٠)، فعندما فهم أنه مجرد واجهة سنية لحكم طائفي أقلوي، فقد استقال من منصبه سنة ١٩٧٠، اعتراضا على تدخل الجيش السوري في السياسية، وعلى ممارسات رفعت أسد شقيق وزير الدفاع حافظ أسد. وقد دفع الأتاسي ٢٢ سنة من الاعتقال ثمن رفضه، متأخرا، أن يكون مجرد دمية، لا سيما بعدما قام حافظ أسد بما أسماه "الحركة التصحيحية" (انقلاب عسكري)، على إثر استقالة الأتاسي. أما حسان دياب، فكما كان من المستبعد، لا بل من المستحيل، أن نراه يعتذر عن التكليف، فمن المستبعد أيضا، بل ربما من المستحيل أن يستقيل من منصب الوجاهة والواجهة الذي ارتضاه لنفسه، لا سيما بطريقة تكليفه وتشكيله لحكومة اللون الواحد.

 

صحيح أنّ عرض اللون الواحد الركيك هذا لن ينال على الأرحج إعجاب المجتمع الدولي، ولا ثقة دائني الدولة اللبنانية، ولن يقنع مانحيها من دول خليجية وأجنبية، في حين أنّ لبنان يمرّ بأكبر ضائقة اقتصادية ومالية في تاريخه، ويشهد أكبر انتفاضة شعبية بوجه الطبقة الحاكمة. ولكن كل ذلك لا يهمّ، فالمهم عند المخرج أنّ مسرحيته اكتملت عناصرها، فيستطيع أن يجعلها ورقة تفاوض في يد القوة الإقليمية التي يرتبط بها عضويا، في ظل الكباش الإيراني- الأميركي الحاصل في الإقليم.

 

آنساتي، سيداتي، سادتي، تفضلوا بإغلاق موبايلاتكم، استريحوا في مقاعدكم، ولو أصبحت رثة وغير مريحة. سوف يتمّ تنويكم بعرض من عالم الخيال السياسي. أطفئت الأنوار.. عمّ الظلام.. أزيحت الستارة.. العرض بدأ.. تصفيق!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة