أواب المصري
أواب المصري
192

سعد الحريري.. ارحم من أحبك

30/1/2020

أرسل إليّ أحدهم مقترحاً أن أكتب حول أسباب ودوافع التخبّط الذي أصاب تيار المستقبل التابع لرئيس الحكومة المستقيل يوم انعقاد جلسة إقرار الموازنة العامة قبل أيام. كان جوابي أن الاستجابة للاقتراح مهمة مستحيلة، فتحليل الأفعال ودوافعها يتطلب منطقاً سليماً وسياسة مفهومة ومساراً واضحاً لتحقيق المصالح، في حين أن ما قام به تيار المستقبل رسم صورة كاريكاتورية متناقضة، من المتعذر فهم أهدافها ودوافعها وأسبابها. فمناصرو تيار المستقبل تجمّعوا في الشوارع والساحات، وحاولوا تعطيل جلسة المجلس النيابي باعتراض طريق النواب المتوجّهين للمجلس، فالجلسة -حسب رأيهم- تمنح شرعية لحكومة حسان دياب التي يُفترض أنّ زعيمهم سعد الحريري وتياره غير راضين عنها ولا عن رئيسها.

في مقابل الاعتراض في الشارع، حضرت كتلة الحريري النيابية إلى مجلس النواب لتستكمل بحضورها النصاب القانوني لانعقاد الجلسة، ولو غابت لانفرط عقد الجلسة. ليس هذا فحسب، فقد أعلن أحد نواب الكتلة عدم دستورية الجلسة لكنه استمر ورفاقه بحضورها مؤمّناً نصابها ودستوريتها. أكثر من ذلك، تصويت النواب تمّ على الموازنة التي سبق لحكومة الحريري أن قامت بإعدادها قبل استقالته، ولولا الاستقالة لكان الحريري المدافع الأول عنها، لكن كتلة المستقبل صوّتت ضد الموازنة التي لم يغيّر رئيس الحكومة الجديد حسان دياب حرفاً فيها (؟!).

 

جيّش سعد الحريري شارعه بمواجهة النظام السوري الذي -حسب الحريري- اغتال والده. صار النظام السوري شيطاناً رجيماً لدى جمهور تيار المستقبل، لكن الحريري عاد بعدها والتقى رئيس النظام بشار الأسد وبات ليلته في قصر المهاجرين بدمشق

ما هي الوجهة، ما هو القرار السياسي، ما هي الرؤية، ما هو المشروع، أنتم مع مَن وضد مَن؟ خيبة أمل، إحباط، ذهول، دهشة، حيرة، ضياع، كلمات تلخّص حال مؤيدي ومناصري تيار المستقبل. فهم لا يفهمون ما يريده زعيمهم، لا يعرفون هو يؤيد ماذا ويعارض ماذا، يريدون إرضاءه فلا يستطيعون. نزلوا إلى الشارع ظنّاً منهم أنهم يلبون رغبته بتعطيل الجلسة، وخاضوا في سبيل ذلك مواجهات مع القوى الأمنية فتعرضوا للضرب والاعتقال، لكن كتلة الرئيس سعد الحريري حضرت وأكملت بحضورها النصاب، ثم بعد ذلك حجبت ثقتها عن موازنة صنعها وخبزها الحريري في حكومته السابقة.

 

هي ليست المرة الأولى التي تشعر فيها القاعدة الشعبية لسعد الحريري بالضياع والحيرة، فهو منذ ورث الزعامة خلفاً لوالده وجمهور المستقبل يقفز من خيبة لأخرى، ومن نكبة لأخرى، ومن إحباط لإحباط. لدرجة أن من تبقى من مؤيدين مخلصين له، أُسقط من أيديهم، ولم يعودوا يدرون كيف يدافعون عن زعيمهم. سبق للحريري أن أوقع مناصريه بخيبات سابقة كثيرة، آخرها حين وافق على قانون انتخابي فرضه عليه خصومه يقلّص من نفوذه ويأكل من مقاعد كتلته النيابية. كان بإمكان الحريري حينها رفع الراية الحمراء وعدم السير بالقانون الانتخابي، لكنه رضخ وأدّى رضوخه تراجعاً في شعبيته.

 

خضع الحريري مرة أخرى، ألمطلب خصومه بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. استمر خصومه بتعطيل مجلس النواب لعرقلة انتخاب الرئيس مصرّين على عون، وكان بإمكان الحريري الإصرار على موقفه وعرقلة انتخاب الرئيس. لكنه رضخ وأبرم تسوية قضت بانتخاب عون رئيساً على أن يكون هو رئيساً للحكومة. يقضي عون أيامه في قصر بعبدا لكن الحريري بات خارج السراي الحكومي. جيّش سعد الحريري الشارع بمواجهة حزب الله وجمهوره، وحصلت العديد من المواجهات بين الشارعين، ووصل الاحتقان الطائفي لذورته، كما اتهمت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قياديين في حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري، في المقابل شارك سعد الحريري حزب الله في الحكومات المتعاقبة.

 

جيّش سعد الحريري شارعه بمواجهة النظام السوري الذي -حسب الحريري- اغتال والده. صار النظام السوري شيطاناً رجيماً لدى جمهور تيار المستقبل، لكن الحريري عاد بعدها والتقى رئيس النظام بشار الأسد وبات ليلته في قصر المهاجرين بدمشق. طبعاً لا داعي للتفصيل حول قضية العارضة الجنوب أفريقية التي أهداها الحريري 15 مليون دولار لأسباب مازالت تحيط بها علامات استفهام في الوقت الذي أوقف دفع رواتب موظفيه، ولا السنوات التي قضاها الحريري في منتجعات باريس يمارس التزلج في الوقت الذي كان جمهوره يدافع عنه باللحم الحي في لبنان. على سعد الحريري أن يرحم مناصريه ومؤيّديه ومحبّيه، وأن يعتقهم من خضوعه وانكساراته المتتالية، فكثير منهم لم يعودوا يطيقون التصفيق لزعيم لا يأتيهم منه إلا الخيبات والهزائم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة