د. عمر القيسي
د. عمر القيسي
103

محاولة سوسيولوجية لتفكيك شعارات الانتفاضة اللبنانية

5/1/2020

في المقال السابق عرضت للإشكالية التي يطرحها شعار "شيعة شيعة" الذي برز مؤخرا على الساحة اللبنانية كجزء من تحرك ذي صبغة طائفية يهدف إلى توليد خطاب مضاد للخطاب الذي أنتجته إنتفاضة السابع عشر من تشرين الثاني 2019 في لبنان. مساهمتي هنا تنطوي على تقديم استشعارات شرحية تفند تجلي هذا الشعار على كل مستوى من المستويات الأنطولوجية الثلاث -الإمبيريقي والتحققي والحقيقي- التي تشكل الواقع المجتمعي الحديث بحسب منظور الواقعية-النقدية لروي باسكير (1979).

المستوى الإمبيريقي: "شيعة شيعة" كفعل ترشيدي

يظهر لنا من خلال متابعة الخط التصاعدي لأحداث الانتفاضة اللبنانية الانقسام العمودي الحاد بين السلطات اللبنانية (تشريعية وإجرائية وقضائية) ومنظوماتها القيادية وقواعدها الحزبية من جهة وبين مكونات شعبية مدنية عديدة تتفاوت في أحجامها وتمثيلها ولكنها تجمع على ضرورة الفصل بين المعيشي-الاقتصادي والسياسي وعلى الحاجة الماسة لأدبية مواطنة تتقدم من حيث الرتبة والأولوية على أدبيات الطائفة (والتي يطلق عليها بعض الناشطين تعبير "أدبيات الحرب الأهلية"). لم تتأخر شبكة الأحزاب اللبنانية عن الرد بقوة على إرهاصات الخرق المدني-الديمقراطي الذي أخذ يتبلور ويتزخم مع استمرار فعاليات التظاهر والإضراب والحوار الثقافي المفتوح في الساحات العامة، وأخص بالذكر هنا مناطق النفوذ الحزبي الشيعي التقليدي (مدن صور والنبطية وبعلبك على سبيل المثال).

كان ولا يزال مراد هذه الأحزاب، وعلى رأسها "حزب الله" و"حركة أمل" بوصفهما الحزبين اللبنانيين الأقوى عديدا وعتادا، تبليغ المكونات الشعبية المنتفضة رسالة فحواها أن الترتيبات الطائفية أصيلة في نشأة الكيان اللبناني وأن الطائفية كمرجعية تنظيمية لشؤون الدولة لا يمكن، بل لا يستحب، التخلي عنها. بناء عليه، يمكننا أن نفهم شعار "شيعة شيعة" على أنه محاولة لإعادة الشارع اللبناني إلى "رشده" الطائفي. "شيعة شيعة" بإمكانها أن تكون "سنة سنة" أو "دروز دروز" أو "مارونية مارونية". المحتوى اللفظي لا يهم، فالمطلوب بالنسبة للأحزاب المتقاسمة للسلطة إعادة تقعيد الطائفية كمرجعية تنظيمية في المخيال الجمعي الشعبي بعد أن تهدد استقرارها لأول مرة في تاريخ البلاد البعيد منه والقريب.

المستوى التحققي: "شيعة شيعة" كفعل توكيدي-تحشيدي
إن أخذنا بعين الاعتبار تاريخ التطور الطبقي للمكون الشيعي اللبناني، يصبح بإمكاننا توظيف جملة من المناظير الشرحية المتاحة والمعنية بخصائص الطبقات الاجتماعية ومساراتها

فيما هو أبعد من ماهيته الإمبيريقية كفعل ترشيدي، نسأل: ما هو النمط البنيوي العلائقي الذي يستمد منه شعار "شيعة شيعة" مشروعيته الأهلية في وجه الانتفاضة اللبنانية؟ أميل إلى المحاججة من موقعي كمراقب أسلم بتماسك، لا تباعد، أنساق التأزم الجيو-سياسي في منطقة الشرق الأوسط بأن "شيعة شيعة" ليس فعلا ترشيديا يخاطب خصوصية النسق اللبناني فحسب بل هو فعل توكيدي-تحشيدي ينشد من خلاله "حزب الله" على وجه التحديد غايتين متجانستين. الغاية الأولى محلية-إقليمية ويمكن تلمسها عبر الرصد السوسيو-تاريخاني لصيرورة علاقات المصدر-الفرع التي تشكل سياسات الحزب العريضة وتوجه تحركاته داخليا وخارجيا.

أقصد بالمصدر مرجعية النظام الإيراني الروحية وبالفرع الحزب ذاته. الأخير بحاجة دائمة لتبريز ولاءات مادية ومعنوية يطمئن من خلالها المصدر إلى متانة تنظيمه وجهوزيته لإيجاد ظروف الإحتراب المحدود أو المفتوح (كما في الحرب اللبنانية-الإسرائيلية عام ٢٠٠٦) التي تتطلبها المرحلة إقليميا. المصدر اليوم يعيش تأزما غير مسبوق في الداخل كما في دول النفوذ، الأمر الذي يستتبع من الفرع تبريز أعنف الولاءات رمزية ولكن بشكل لا يكسر خصوصيته المحلية. فشعار "شيعة شيعة" وإن كان طائفيا يبقى لبنانيا، أو قل ليس فيه بالضرورة ما يخرج الحزب عن لبنانيته. أما الغاية الثانية فهي إقليمية-إقليمية ويمكن تلمسها عبر الرصد السوسيو-تاريخاني لصيرورة علاقات الأكثرية-الأقلية التي تجمع النسيج الشيعي الللبناني بمحيطه السني في المنطقة.

يرى الحزب/الفرع في هذا الصدد، ومن خلفه المرجعية/المصدر، أن اصطفافَ أقليات عابر للحدود هو الوسيلة الأنسب للحفاظ على المكاسب السياسية الإستراتيجية التي تحققت حتى الآن – سواء إلى ناحية إرساء معادلةِ قوةٍ وردعٍ متوازن مع إسرائيل أو إلى ناحية إرساء معادلة نفوذ وحكم وتحكم في العراق. ومما ثَبَّتَ كلاهما، أي الفرعَ والمصدر، على الأقلوية نهجا وسبيلا هو نجاحُ دول محورية كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في تحويل مشاريع الدولة-الأمة في دول "الربيع العربي" (وأخص بالذكر هنا مصر) إلى مشاريع نيو-وطنية شوفينية معادية لإيران. بناء عليه، يرى الحزب أن لا مصلحة موضوعية لديه في مشروع دولة-أمة يرفع شعارات مثل "المواطنة" أو "لبنان أولا" أو "ولى زمن الطائفية" أو (بالعامية اللبنانية) "خلصت الحرب الأهلية." ومن هنا، أي من طبيعة تفوق هذه القيمة الوظيفية للأقلوية على القيمة الوطنية للدولة-الأمة في حسابات الحزب، نفهم البناء العلائقي المعقد لشعار "شيعة شيعة".

المستوى الحقيقي: "شيعة شيعة" كفعل إيديولوجي-توليدي

إذا ما سلمنا بناء على ما تقدم بأن صيرورتي العلاقات المحلية-الإقليمية والإقليمية-الإقليمية تشكلان البناء النمطي العلائقي للظاهرة-الشعار، فما هي القوة العميقة أو الماكينة السببية الرئيسية التي تشغل هذا البناء؟ بحسب باسكير (1979)، تعيين الماكينة المشغلة للظاهرة يستدعي الإفتراض. وبما أن لكل باحث توجهاته الإبستمولوجية وحزمته الخاصة من النظريات والأدوات التفكيرية التي يختارها بعناية للتصدي للظواهر الواقعية، فمن الطبيعي أن تتعدد أساليب افتراض الماكينات. وعليه، فإن أخذنا بعين الاعتبار تاريخ التطور الطبقي للمكون الشيعي اللبناني، يصبح بإمكاننا توظيف جملة من المناظير الشرحية المتاحة والمعنية بخصائص الطبقات الاجتماعية ومساراتها لتعيين ماكينة مشغلة لشعار "شيعة شيعة".

الواقعية السياسية لا تعني من زاوية نظرية سوى التشبثَ السلبيّ بالمستوى الإمبيريقي في شرح الواقع، أي التوصيف الكثيف للحوادث والأنماط دون التعمق في تحديد القوى أو الماكينات المسببة لها

منها، على سبيل المثال، منظور الماركسية التاريخية-المادية بوجهيه الكلاسيكي والهجيني (بعد استدخال عناصر فينومينولوجية وما-بعد-بنيوية عليه) وهو المنظور البنيوي الذي يتبنى طروحات ديالكتيكية حول ثلاثية العمل-العمال-الإنتاج. ما يهمنا هنا بالتحديد هو الإستفهام الماركسي حول تجلي البنيوي-الطبقي بهيئة الإيديولوجيا على سطح الحياة الإجتماعية العادية. يعرف ألتوسير (1979) الإيديولوجيا بوصفها نظام ممارسات ترميزية تطبيعية يهدف إلى توليد مخيال طبقي قد لا يطابق بالضرورة الواقع المادي للطبقة الإجتماعية ولكن تكمن أهميته الاستراتيجية في قدرته على تدوير ثنائية الخضوع-السيطرة بشكل يخدم مصالح النخبة المتحكمة فيها. في البيئات الشيعية في لبنان، بشقيها المتعلمن والمتحزب، كانت ولا تزال هذه الثنائية وما تستلحقه من مشاعر المظلومية واتقاء شرور "الآخر" الطبقي – أي البورجوازيتين اللبنانيتين التقليديتين: المارونية والسنية – ثنائية حرمان-اكتفاء.

فلا مندوحة في أن فئات واسعة من الشيعة لا تزال تعاني من الحرمان (الفقر واللامساواة المناطقية على وجه الدقة)، ولكنه حرمان موضوعي وطارئ في آن معا: موضوعي من حيث تَعُذُّر تَبَدُّل واقعها الطبقي وطارئ -وهنا أجتهد وأقدم افتراضي- من حيث كونه "حرمانية،" أي قوة عميقة أو ماكينة مشغلة تشكل نواة النظام الترميزي التطبيعي الذي يجيز للنخب الحزبية الشيعية القبض على مخيالها ومنعه من التحول (عبر الإتصال بمخيال "الآخر") إلى مخيال وطني-مواطني جمعي. من هنا نفهم أن شعار "شيعة شيعة" ليس فعلا ترشيديا وتوكيديا-تحشيديا فحسب، بل هو أيضا فعل إيديولوجي-توليدي. فلولا هذه الطبقية الحقيقية التي يرتكز عليها الشعار لما اكتسب قوةَ الدفع اللازمة ليتبدى تعبيرا عن سياسةِ محاورَ إقليميةٍ على المستوى التحققي للواقع وتعبيرا عن هوياتيةٍ محليةٍ طائفيةٍ ضيقة على المستوى الإمبيريقي.

يظهر لي من خلال هذه الإستشعارات الشرحية أن الإنتفاضة اللبنانية بحاجة ماسة إلى تعطيل ماكينة "الحرمانية" القابضة على المخيال الطبقي الشيعي. هناك مسؤولية تاريخية على المنتفضين تكمن في وجوب التكثيف من مبادرات خلق نظام ترميزي تطبيعي بديل يسمح لأبناء الطائفة الشيعية بالإنضمام الكلي والنهائي لحاضنة الوطن-المواطنية. فلا مستقبل للإنتفاضة برأيي إذا فشلت في إيجاد اللغات والسبل المطلوبة لمخاطبة واستدراج الوعي الطبقي للفرد الشيعي العادي.

وفي الختام، أود الإشارة إلى نقطة تخص مُجملَ المقاربات والكيفيات الشرحية التي نستعملها نحن عموم اللبنانيين لنفهم واقعنا ونستجيب له. هناك ضرورة ملحة للتخفيف من الواقعية-السياسية والإستزادة في المقابل من الواقعية-النقدية. فالواقعية السياسية لا تعني من زاوية نظرية سوى التشبثَ السلبيّ بالمستوى الإمبيريقي في شرح الواقع، أي التوصيف الكثيف للحوادث والأنماط دون التعمق في تحديد القوى أو الماكينات المسببة لها. أما الواقعية-النقدية، على طريقة باسكير أو غيره من فلاسفة الأنطولوجيا الواقعية، ففيها عقلانية مطلوبة ومرغوبة لإيجاد الشروط التاريخية اللازمة لانبثاق وعي طبقي مشترك يمهد لقيامة مخيال وطني-مواطني واحد يشمل الجميع. الواقعية-السياسية هي واقعية الجهل المُمَأسَس، على حد تعبير المفكر الجزائري محمد أركون. أما الواقعية-النقدية فهي واقعية العقل المُؤَسِّس. تتردد في لبنان هذه الأيام مقولة: صوتُ الشعب من صوت الله. لا بأس. ولكن عندي صوتُ العقل هو أقرب إلى الله. والله أعلم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة