صلاح أنور
صلاح أنور
4.9 k

أردوغان والسيسي.. صراع ما وراء الحدود

11/1/2020

اعترف العالم بحكومة الوفاق حكومة شرعية تمثل ليبيا وشعبها، إلا أن هناك ثلاث دول لم يروا في حكومة الوفاق أي فائدة مرجوة لبلادهم، فهي حكومة شعبية لن تدخل ضمن سكارترية هؤلاء، لن تبيع ولن تُشترى، وبما أن تلك الدول الثلاث إثنتان منهم تملكان المال الوفير والثالثة (فقيرة أوي) ولكن لديها جيش قوي، قرروا أن يزيحوا فايز السراج وحكومته من سدة الحكم كما فعلوها مع مصر وأزاحوا حكومة مرسي، وبما إن مصر ليست ليبيا، وجدوا الأمر صعبا ولن ينتهي بالمؤمرات والتدخلات غير المباشرة، فدبروا أمرا، أحبطه أردوغان بقراراته الأخيرة التي نقلت الصراع إلى ما وراء الحدود.

وكما أن هناك في مصر من يحلم بالرئاسة منذ عشرات السنين، في ليبيا أيضا عسكري يحلم برئاسة البلاد منذ أن كان طريدا في أمريكا وأسيرا في تشاد، إبان حكم القذافي، هو خليفة حفتر ذلك العسكري الذي يقود انقلابا دمويا ضد حكومة السراج بتمويل خليجي ودعم عسكري مصري، ولمن لا يعرف فإن حفتر ذلك الكهل الذي يبلغ من العمر 77 عاما له تاريخ عسكري مخزي، فهو من شارك في انقلاب 1969 الذي أوصل القذافي إلى الحكم، وتم أسره عام 1987، أثناء الحرب ضد تشاد بعدما سقط في براثين فخ ساذج هو وقواته.

حاول الإطاحة بالقذافي وكون مجموعة ضباط لتنفيذ مخططا فشل أيضا في تطبيقه كعادته، أخرجته الولايات المتحدة من الأسر عام 1990 وذلك بعد صفقة مع تشاد، وعاش في فيرجينا نحو 20 عاما وحصل على الجنسية الأمريكية. في عام 1993؛ وأثناء إقامته في الولايات المتحدة أُدين حفتر بجرائم ضد الجماهيرية وحُكم عليه بالإعدام، وبعد كل هذه السنوات عاد إلى ليبيا لينفذ ما فشل فيه وهو شاب في ريعان شبابه وقوته معتقدا أن الأيام ستمهله وأن طريق الحكم معبد بالورود، ولكن طموحهاته اصطدمت بإرادة الليبيين وصداقة الأتراك.

تأتي تلك الخطوات التركية كضربة قاضية لمخطاطات الدول الثلاث سالفة الذكر، بخلاف التنسيق التركي الروسي، الذي يهدف إلى الابتعاد قدر الإمكان عن الصدام لما يجده الملف الليبي من خلاف بين موسكو وأنقرة

حفتر صاحب التاريخ الأسود يخرج علينا بتصريحات إعلامية مماثلة لتلك التي كان يطلقها القذافي قبيل مقتله على يد شعبه، والتي منها دقت ساعة الزحف وسنطاردهم دار دار وزنجة زنجة، ونحن على وشك أن نسيطر على العاصمة طرابلس، ونمهل ميليشيات السراج مهلة للاستسلام. مليشيات السراج التي هي في الواقع جيش ليبيا الحقيقي الذي يحمي البلاد من أن تكون جمهورية موز يحكمها جنرال فاشل، استعان بميليشيات من سودانيين وروس ومصريين وأفراد من شركات مثل بلاك ووتر وغيرها، ضد أبناء شعبه.

وبحكم عملي كتبت (مضطرا) عن انجازات حفتر الوهمية، وكان آخرها تأكيداته عن تطاير الجثث على مشارف العاصمة، وسيطرت قواته على طريق مطار طرابلس، وكثيرا ما بحثت عن أي صور للانتصارات لأرفقها بالخبر المزيف، ولكني لم أجد صورة واحدة تثبت صحة ما يقوله، وتساءلت لماذا لا يقدمون لنا صورا لتلك الانجازات، وهم يملكون كل شيء السلاح والمال والجنود، واكتشفت أن الأمر لا يخرج عن كونه تصريحات إعلامية للاستهلاك المحلي حتى يثبتوا للممولين أنهم يحققون انتصارات على الأرض ويستمر التمويل.

تتدخل مصر ودول عدة في ليبيا بحثا عن مصالح شخصية بعيدة كل البعد عن مصالح الليبين، وعندما قررت أنقرة دعم حكومة السراج "الشرعية"، انقلبت الدنيا وقال المرجفون كيف لتركيا أن تتدخل في شأن دول الجوار، وهذا مخالف للقوانين الدولية ومخالف لقرارات مجلس الأمن، وأنا على يقين أنهم لم يطلعوا على تلك القرارات، التي تسمح لحكومة الوفاق بإبرام الاتفاقات الدولية الكفيلة بحماية أمن البلاد، بخلاف عدم اعتراف مجلس الأمن بحفتر وقواته، ولا يرى فيهم الجيش الليبي كما يطلقون علي أنفسهم، بل يرى أن حكومة السراج هي حكومة ليبيا الشرعية.

نعود لتركيا التي وافق برلمناها مؤخرا على مشروع قانون يُسمح بموجبه إرسال جنود إلى ليبيا كدعم عسكري يصد عدوان حفتر والدول الممولة لانقلابه، وذلك بعد اتفاقية مشتركة لترسيم الحدود البحرية بينهما، وعلى المستوى الشعبي وجدت تلك الخطوة ترحيبا واسعا من الموطنين في ليبيا ناهيك عن مصر، خاصة بعد الاتفاقية الأمنية التي أبرمتها طرابلس مع أنقرة لتمكين البلدين من العمل العسكري المشترك.

تأتي تلك الخطوات التركية كضربة قاضية لمخطاطات الدول الثلاث سالفة الذكر، بخلاف التنسيق التركي الروسي، الذي يهدف إلى الابتعاد قدر الإمكان عن الصدام لما يجده الملف الليبي من خلاف بين موسكو وأنقرة، كذلك زيارة أردوغان لتونس والتفاهمات حول آليات ردع حفتر ومعاونيه، مما يدل أن ليبيا ستكون عصية عن السير في ركب التابعين كما سارت مصر، وبالرغم من الصراع الذي يدور وراء الحدود في ليبيا إلا أن تدخل أردوغان عدل كفة الميزان وستكون الغلبة للشعب.

على الهامش، قبل أيام دعت الجامعة العربية إلى اجتماع طارئ على مستوى السفراء في القاهرة لبحث أزمة ليبيا وسبل دعم قوات حفتر ضد حكومة الوفاق وتداعيات التدخل التركي، وأثناء الاجتماع أعلنت السودان وقطر رفضهم لتدخل حفتر العسكري ضد حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، فأصدرت حكومة الوفاق بيان تشكر فيه حكومتي السودان وقطر على ذلك الاعتراض وعلى دعمهما لليبيا أمام جامعة الدول، فاعترضت الخارجية المصرية في بيان آخر وتساءلت لماذا تخص حكومة الوفاق السودان وقطر بالشكر ولم تقدم الشكر للقاهرة التي دعت للاجتماع الذي بحث أزمة ليبيا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة