تصعيد ما بعد سليماني.. العرب الغائبون الخاسرون!

8/1/2020

3/1/2020 تفاجأ العالم بخبر مقتل قاسم سليماني القائد العسكري الإيراني البارز، ومعه أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي، بالإضافة لعسكريين آخرين. من بعد هذا الحدث الذي جرى في بغداد؛ غدت المنطقة كصفيح ساخن تُوشك أن تشتعل. رغم أن الصراع جارٍ بين أمريكا وإيران، إلا أن أغلب شرره يتطاير في المحيط العربي، وتأثرت وستتأثر بلدان عربية بالذي حدث شاءت أم أبت. في هذا المقال يُسلّط الضوء على غيابٍ عربي شبه تام، رغم أنهم في صلب المواجهة، وأن الضرر فيما يبدو أقرب إلينا من طرفي الصراع!

تركّزت جلّ جهود العرب "السنة" الرسمي منها والشعبي على التعليق والتحليل، وفي أقصى حدّ دعوات للهدوء. وفي المقابل، تستغلّ إيران الحدث وتعلن خريطتها للمنطقة، وأمريكا ترسم الأخرى خياراتها، وكأنه لا توجد دول عربية "ذات سيادة". أعلنت إيران وعلى لسان أكثر من مسؤول بأنّ سقف الرد سيكون بإخراج الأمريكان من المنطقة، ولعلّ هذا الأمر ينشده كثير من أحرار العرب، ولكنّ الدول العربية بلا مشروع يوجّه المنطقة، ويملأ فراغها. إيران عبر إعلانها ذلك تضعُ نفسها قائدةً للمنطقة، وكَرهنا إيران أم أحببناها لا يمكن الإنكار بأنّ لديها مشروعا ورؤية استراتيجية تسير في إطارها، وهذا ما لا يملكه العرب، بل جلّ اهتمامهم في ترسيخ عروشهم، وقمع شعوبهم.

سوريا ولبنان من الجبهات المُحتملة في الصراع الأمريكي الإسرائيلي- الإيراني، ورغم التعقيدات التي تُحيط بالبلدين لا سيّما لبنان، ممّا يُقلل احتمالية المواجهة هناك، لكنّ ذلك لو حصل فلن يكون ضمن إرادة المجموع الكلّي لأحد البلدين

أمريكا النائية خلف البحار تصنع معاركها كعادتها في بعدٍ عن أراضيها، وأرضُ العرب ميدان هذا الصراع. أمريكا هي التي اختارت أرض المواجهة المُحتملة، فقواعدها منتشرة في البلاد العربية، وأذرع إيران منتشرة في أكثر من عاصمة عربية، وحتى السعودية التي قد تشجّع مواجهة ضد إيران، ولا تدري أنّ أرضها، واقتصادها، وشعبها هو من سيدفع الثمن الأكبر. لو اختارت إيران أن تردّ عبر المُوالين لها في المنطقة، فالميادين عربية، وصواريخ الحوثي قد نراها في سماء السعودية والإمارات، وهذا حصاد الارتهان لأمريكا. فالدول العربية ليست عندها تلك الإرادة التي تمنع أمريكا من جعل ساحاتها فوّهات للبركان.

لعلّ العراق هي الساحة الأوسع والأقرب للرد الإيراني المُحتمل. من الجوانب التي خدمت إيران أن الاغتيال وقع في العراق، وسقط فيه عراقيّون وهذا يُعطي مشروعية الرد في العراق، ويساند ذلك ما تمتلكه إيران من نفوذ سياسي وعسكري هناك. "السنة" في خيارات لا يُحسدون عليها، فإما هيمنة إيران، وإما الظهور كمؤيد للأمريكي، لذلك كان أقصى وجْدِهم أن قاطعوا جلسة البرلمان التي تمّ التصويت فيها على خروج الوجود العسكري الأجنبي، وقد تكون الأيام القادمة على أهل السنة عصيبة. وهناك احتمال أن تَعْمد أمريكا بطرقها الاستخباراتية لإخراج داعش من قمقمٍ عراقي جديد، وإفساحِ الطريق لعودته، حتى تثبت أنها الضّامن لأمن العراق، ومرّة أخرى صراع في بلادٍ عربية، وإن حصل هذا لا قدّر الله "فأهل السنة" يصبحون تحت ألسنة ذي ثلاث شعب: إيران ونفوذها وطائفيتها، وأمريكا وهيمنتها، وداعش وبطشها.

من اللّافت أن اغتيال سليماني ترك أثرا على الشعوب العربية، وأظهر مزيدا من انقساماتها. لا يكفي أن الفعل ليس فعلنا، والصراع على أراضينا بين مشروعين، ونحن أيتام بلا مشروع، ولا أنظمة راشدة تدافع عن مصالحنا، فأضفْنا إلى ذلك جدلا حول توصيف سليماني فمنّا من يترحم عليه، ومنّا من يلعنه، ونسينا أن الفعل ليس لنا، فمن قتله أمريكا، وليس من أجل عيون الأبرياء في سوريا، بل في سبيل مصالحها، وذهب البعض يصطفّ ولو بالقول مع أحد المتصارعيْن. وكان الأجدى بنا أن نرمُق مصالحنا، وأن نبحث عن بدايات مشروعنا وبنائنا.

سوريا ولبنان من الجبهات المُحتملة في الصراع الأمريكي الإسرائيلي- الإيراني، ورغم التعقيدات التي تُحيط بالبلدين لا سيّما لبنان، ممّا يُقلل احتمالية المواجهة هناك، لكنّ ذلك لو حصل فلن يكون ضمن إرادة المجموع الكلّي لأحد البلدين، وسيزيد من الانقسامات هناك. إن الأمة التي تبغي مجدها ومصلحتها؛ هي التي تحدّد مشروعها، وتُبْرزُ نموذجها، وتحدّد خياراتها، وتُضحّي في سبيل ذلك لا في سبيل الآخرين. يبدو أن الشعوب حتى تصل لذلك عليها أن تستعيد قراراها من زعماء بالِين ادعوا تمثيل "السنة" والأمة زورا وبهتانا، وبعد ذلك لن يكون لإيران وإسرائيل وأمريكا وغيرها يد علينا، ولا نتيه بين الحصّادين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة