محمد أمزيل
محمد أمزيل
1.8 k

جورج أورويل وبيضة النعام

13/2/2020

بيضة النعامة كبيرة جدا، أليس كذلك؟ بالطبع هذه مسألة مفروغ منها. ولكن المسألة هنا هي مجرد سيطرة لذهنية معينة على إدراكك، فقد قارنت بيضة طائر كبير الحجم مع بيوض باقي الطيور الصغيرة، (مع إضافة أنه لم يخطر على بالك أبدا أن الأسماك والزواحف والبرمائيات أيضا حيوانات بيوضة).

 

عندما اعتبرت أن بيضة النعامة كبيرة، فقد عبَّرت عن مسألة الشكل فقط، متناسيا مسألة مهمة تتعلق بموقع كل حيوان على حدة من حيث الوجود، فالنعام كبير على الدجاج، لكن اهتمام ذهنيتنا بتحديد الفرق بينهما بواسطة الحجم فقط، أمر يؤكد أن رؤية الإنسان لما حوله تتحدد بذهنية معينة. فلماذا لم يقل مثلا أن بيضة النعام أقل بياضا عن بيضة الدجاجة، مقارنتنا بين البيوض هنا بحسب الحجم، خاطئ جدا، فلا يمكن منطقيا أن نقارن ما بين التفاحة والبرتقال، بتحديد من منهما الألذ، لكن ذهنيتك ستحدد الأمر في آخر المطاف، وستختار إحدى الفاكهتين مُقدّما إحداهما على أخرى.

 

خلال الحرب الأهلية الإسبانية، حين وقع تصادم بين جبهة الوطنيين القوميين بقيادة الجنرال فرانشيسكو فرانكو من جهة، ضد جبهة الجمهوريين التي كانت تضم في أغلبها اشتراكيين وأناركيين من جهة اخرى، كان جورج أورويل قد التحق بهم في كاتالونا ليحارب الى جانبهم من أجل دحر الفاشية في اسبانيا، كانت الجبهة الجمهورية تضم حزبين كبيرين، هما حزب العمال الماركسي الموحد الذي انضم له أورويل في الأخير، والحزب الاشتراكي الموحد.

 

لكن في آخر المطاف قام السوفياتيون الذين كانوا يموِّلون الحزب الاشتراكي الموحد بالعتاد، وطلبوا من هذا الحزب أن يقضي على الفوضويين وكل أعضاء حزب العمال الماركسيين الموحد، فشعر أورويل بالخطر وهرب من كاتالونيا، واتهمه الستالينيون في اسبانيا بالخيانة العظمى، لقد قام السوفيات بتحريض الحزب الإشتراكي الموحد ضد الحزب الآخر، لأنه كان ذا نزعة تروتسكية، التي كانت بالطبع حسب السوفياتيين الستالينين نزعة تحريفية خائنة.

   

  

هكذا شاهد أورويل هذا المشهد وترك لنا كتابه "الحنين إلى كتالونيا" ليحكي لنا عن تجربته التي حضر فيها، حربا أهلية اختار فيها جانب التقدميين (كما تعتقد ذهنيته) لمحاربة الفاشيين (كما تعتقد ذهنيته)، فحدث في الأخير أن أصبح تحت تهديد التقدميين أنفسهم بعد أن نجا من رصاصة أصابت عنقه من طرف الفاشيين، نسي أورويل رصاصة العدو التي كادت أن تقتله، لكنه لم ينسى أبدا تهديد من انضم لهم ليحارب إلى جانبهم، لهذا كتب "مزرعة الحيوانات". التي قام فيها الحيوانات بثورة ضد صاحب المزرعة، من أجل أن ينعموا بالحرية والخروج من الاستعباد، لبناء أمة حيوانية أكثر مساواة، بشعار الحافر والقرن، لكن الخنزير الزعيم، صار أسوء من صاحب المزرعة وانكب يقتل رفاقه، ويجتمع مع "الكائن ذو القدمين" على العشاء، مع أن دستور الثورة قد حرم هذا الأمر بالمطلق وسطر عليه بالأحمر.

 

وكأن أورويل يقول "إن ستالين الذي قتل رفيقه تروتسكي قد اجتمع أخيرا مع رجعي يذمه المبدأ الماركسي، وهو هتلر". لم ينتهي أورويل من الأمر، وإنما أراد أن يؤكد أن الثورة لا يجب أن تحدث أصلا، مادام أن الذهنية هي التي تختار، لهذا قام بكتابة رواية 1984، ليخبرنا على عالم تشكل بذهنية الأخ الأكبر، ويجب أن يبقى كذلك، لأن أي تغيير ما هو إلا تكرار لفرض ذهنية على أخرى، لهذا لم تكن 1984 مجرد سنة، بل رواية سوداوية تتحدث عن أية ذهنية كيفما كانت، تُحاول أن تبني المدينة الفاضلة حسب اعتقادها.

 

نعم إن عالم الأخ الأكبر يوتوبيا، مادام أن الجميع يدرك هذا العالم بالذهنية القائمة على 2 زائد 2 تساوي 5. لقد كان سميث وينستون موظفا في وزارة الحقيقة، التي تعمل على إبقاء الذهنية سائدة، عن طريق الدعاية الإعلامية، وبالطبع كان سميث يدرك العالم بالذهنية السائدة، وكان شخصا يحب عمله، لكن حين وقعت قطعة ورقية تاريخية صغيرة جدا تحمل حدثا ينفي ما تؤمن به ذهنيته، بدأ يشعر أن الحقيقة التي يُشارك في نشرها ليست حقيقة كما يعتقد. لقد صار سميث الآن يرى بيضة النعام، لكن سميث يتساءل الآن هل الناس وشخصيته القديمة في المدينة الفاضلة (حسب الذهنية السائدة) مخطؤون أم شخصيته الحاضرة التي تحمل بيضة النعامة هي المخطئة؟ لا توجد ذهنية محايدة لتُخبرنا بالأمر، ففي الأخير ستحكم لصالح أحدهم حسب هنيتك.

 

لهذا يبقى السائدة هو الحكم المختار جبرا، وهكذا جاءت وزارة الحب لتجيب سميث، بأنه ليس مخطئا وإنما مريض عقلي يجب أن يُعالج بمخاوفه، نعم لقد صدقت وزارة الحب، فسميث في الأخير بعد خروجه من وزارة الحب، صار مقتنعا بأنه حقا يعيش في المدينة الفاضلة، وأضحى يستغرب من شخصيته التي شكت في ذهنية الأخ الأكبر، وفي يوم خرج يهتف باسم الأخ الأكبر بكل حماسة، لكنه تعرض للاغتيال، وظل يبتسم لأنه مات في أرض السلام، وأن موته هذا ليس إلا جزاء لذهنيته الشاذوة السابق التي شكت في ذهنية الأخ الأكبر، لقد قامت ذهنية الأخ الأكبر بقتله، خوفا من أن يعود مرضه العقلي معديا الآخرين، ببيضة النعامة.

 

إذن سميث عاش في اليوتوبيا حينما كانت ذهنيته هي ذهنية الأخ الأكبر، ولكنه شعر بأنه في الديستوبيا بعد أن وقعت بيضة النعامة في يده، وفي الأخير عاد يشعر بأنه في اليوتوبيا وصار يكره ذهنيته المحصورة في بيضة النعامة، وبالطبع لم يكن هناك أخ أكبر يراقب الجميع في هذه المدينة، وإنما كانت الذهنية التي يحملها كل فرد في هذا العالم هي الأخ الأكبر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة