حسام شاكر
حسام شاكر
1.5 k

زمن المقاطع.. عندما يتعالى "الاجتهاد" على التمحيص

23/2/2020

يَسألُكَ عن رَأيِك بعالمٍ أو علاّمة أو مفكِّر أو مجدِّد من الصاعدين في الزمن الشبكي، فتسأله: وما قرأتَ له من الكتب أو الدِّراسات؟ يُصارِحُك بأنه لم يقرأ له شيئاً، وإنما هي مقاطع مبثوثة في الشاشات والشبكات شاهدها بانبهار. تسأله: وهل تعرف له من عناوين الأعمال المسطورة أو الكتب المنشورة شيئاً؟ فيهزّ رأسه حائراً متردِّداً، وقد يُعيد من لحظته هذه اكتشاف مَن أسبغ عليه صفات العلم والفكر والتجديد والاجتهاد على نحو متسرِّع.، لعلّه حوارٌ نمطيّ متكرِّر في واقع عربيّ تعلو فيه مزاعم التّجديد الفكري والدِّينيّ والعلميّ التي لا يبرح بعضُها برامجَ الشّاشات ومقاطع الشّبكات وقد تكتفي بها حصراً، بما يُنسج معضلاتٍ جسيمة لا ينبغي التهاون معها أو السُّكوت عنها، خاصّة إن تكثّفت هالاتٌ رمزيّة حول أسماء ساطعة ورؤوس بازغة.

 

لا تتوانى بعض النُّخَب والجماهير عن تسويغ هذا المنحى بحجج تزعم انتهاء زمان الكُتُب وأفول عهد التّدوين وانصراف النّاس عن القراءة، وهي مزاعم تعسّفية تبرِّر عندهم كسْر الأقلام وإفراغ المحابر وتمزيق الصّحائف والاكتفاء في أمر العلم والفكر والفلسفة والاجتهاد بشاشاتٍ وشبكات؛ حتى في عظائم الأمور ودقيق المسائل وعويص القضايا. تُشْبِه هذه الحالُ أن يُزعَمَ مع برامجِ الصِّحَةِ والتّغذية المتلفزة، بوجوهها الباسمة وأروقتها المُشرِقة ومؤثِّراتها المُركّبة؛ أنها ينبوع العلوم ودوحة المعارف أو الوجهة الأجدر لطلب التخصّص المعمّق في هذا الباب دون الجامعات والمعاهد المُعتمدة والمراجع والبحوث المُعتبَرة.

  

التعالي على قابلية النقد والمراجعة

أين المشكلة تحديداً؟ أليست المُخاطَبَة الجماهيريّةُ بوسائطِها المتجدّدة ومنصّاتها وشبكاتها؛ حاجة لا غنى عنها؟ صحيح أنّ هذه المخاطبة مندوبةٌٌ في الأساس ما استقامت في مسلكها؛ لكنّها لا تُبرِّر قعودَ محاولاتِ الاجتهاد الفكريّ والجهد العلميّ والنّظَر المنهجيّ والدراسة التخصصية عن الاشتغال المسطور والبحث المنشور المنتظر من الذين يتصدّون لهذه المهام. ومن شأن الإحجام عن التّدوين حسب الأصول أن يفتح – فوق هذا - أبواباً لا تُسدّ لممارسة الاحتيال العلميِّ ومباشرة التّدليس والتّضليل والتفلُّت المنهجي أيضاً بمسالك متذاكية؛ مما يَسْهُل توريتُه ضمن غثاء البثّ أو طمسُ طرائِقه وإخفاءُ أحابيلِه عن الأنظار الفاحصة؛ ومن شأن هذا أيضاً أن يُسهِّل إيقاع مقولاتٍ علميّة وفكريّة واجتهاديّة في قبضة الاستعمال الوظيفيّ والتوجيه المحبوك والاستقطاب المُوجّه.

 

قد يتحصّن خطابُ أحدِهم من النّقد ويتعالى على قابلية التّمحيص؛ باقتصاره على مقاطع المرئيِّ والمسموع حصراً وتحاشيه المسطور والمنشور، فيُتاحً له مع هذه المقاطع التي لا ينظمها ناظم التفلُّتُ من فرص التّمحيص الجادّة وقابليّات التقويم المُنصِفة. يدفع أحدهم بمقطع مرئيّ من دقائق قليلة تتلاحق فيه الاستشهادات غير الموثّقة والإشارات غير المدقّقة والرسائل المُتعاقبة في هيئة ظاهرةٍ وإيحائيّة؛ على نحو يتجاوز في جُمْلَتِه قنطرةَ التّدقيق العلميّ طلباً للذيوع الجماهيريّ، وقد يكون هذا ابتغاءَ التّأثير والاستقطاب وربّما التّمذهُب والتمدرُس لصالح الخطاب وصاحبه، دون انضباطِ الفحوى العلميّة المزعومة بمنهجيّاتٍ وضوابط مقرّرة في بابها. فإنْ كانت هذه هي الحال مع دقائق مرئيّة معدودة؛ فما العمل مع مئات السّاعات المبثوثة لأحدهم في الشّاشات والشبكات ومع آلاف المقاطع المُجزّأة المحفوفة بالمؤثِّرات في فنون الأداء المتجاوز لأصل الفحوى العلميّة المجرّدة عن قائلها؟

   

  

لا تَصِحّ مراجعة الخطابات المرئيّة والمسموعة بالاعتماد على شظايا متفرِّقة منها وحسب، فما يقع نَبْشُه وانتقاؤه ممّا هو مبثوث من الشّاشات والشّبكات قد لا يصحّ اعتباره معبِّراً عن خطاب صاحبها بحياله أو ممثِّلاً لنهجه عموماً. تتفاقم المعضلة مع خطاباتٍ مُتقلِّبة؛ دأب أصحابُها على التحوّل والتبدّل والتلوُّن في الأقوال والآراء والمواقف، فيبقى خطابُ أحدهم في حالته هذه غامضَ المآلات ومفتوحاً على احتمالات شتى في ما سيُفضي إليه قياساً على ما سبق منه، وقد لا يستقرّ خطابُه على حال حتى يبلغ منتهاه، وقد ينقطع آخرُه عن أوّله أو يتعارضان ويتناقضان، وقد يُسَوِّغ بعضُهم هذا المسلكَ بدواعٍ مُتذاكية أو ذرائع متهافتة أحياناً؛ لأجل تبرير التناقض الذاتيّ الذي لا يلوي على شيء.

 

فحوى تتجاوز النص

قد يغفل المرء عن أنّ المحتوى الذي تفيض به إطلالاتٌ مرئيّةٌ في الشّاشات والشّبكات يتجاوز بطبيعته النُّصوص القابلة للتجريد منها؛ فيكون تجريدُ منطوق القوْل وحده في هيئة نصِّية بأسلوب "التفريغ" الشائع؛ إجراءً عبثيّاً ومُضلِّلاً أيضاً عند محاولة الحُكم على الفحوى بحيالها، لأنّ الرسائل التي يتلقّاها الجمهور في المُخاطبة المرئيّة والمسموعة أرحب من نصٍّ مجرّد عن متلازماته. تأتي ضمن هذه المتلازماتِ حركاتٌ وإيماءاتٌ وإشاراتٌ واستعمالاتٌ بصريّة وصوتيّة مُصاحِبة؛ من شأن أيّ منهما أن يمنح بتأثيره النافذ تأويلاً للمعنى يُفارِق ما يعنيه النصُّ المجرّد في ظاهره، وأن يترك أثراً غائراً قد لا يتأتّى من ظاهر النص المجرّد. وقد أدرك رواةُ الحديثِ الشّريفِ هذا؛ فأدرجوا فيه الوصفَ التّصويريّ بدقّة وعناية لما يحمله من مخزون دلاليّ لا يصحّ إغفالُه.

 

جديرٌ بالانتباه أيضاً؛ أنّ التلقِّي الجماهيريّ عبر مقاطع مرئيّة ومسموعة يخضع في تأثيره لمواصفات حضور الشّخص الذي يظهر فيها، فإن بدا بليغَ العبارة نَبيهَ الإشارة نَضِر الوجه حسَنَ الهيئة – وهو ما تتدخّل في إحداثِه تحيُّزات الصورة والمشهد ومقدِّمات الافتعال فيها -؛ تأهّل أحدُهم لأن يأخذ بالألباب كلّ مأخذ وأن يُهيْمن على وجدان الجمهرة أو استلابها حتى في ما يُحسَب على العلم والفكر والدِّين والفلسفة، بما يفسِّر جانباً من انزعاج "المُريدين" بأن يقع على "علاّمتهم" أو "شيْخهم" أو "مفكِّرهم" أو "المجتهد الفذّ" أيُّ نَقد من قبيل ما يأتي به من نقد أو أن ترتدّ عليه أيّ مراجعة من نحو ما يدفع به من مراجعات، لأنهم لم يكونوا معه في حالة تَلَقٍّ علمي مجرّدة عندما انجرفوا وجدانياً مع صاحب الحضرة المرئيّة ورضخوا لمزاعمه وانصاعوا لمؤثِّراتِه وإن لم يقصد ذلك أساساً.

 

مِن بواعث هذه الحالة أنّ الانبهار ببعض الأداء المرئيّ في حُسْنِه يُغري بالتّهاون مع بعض المضامين الأخرى؛ وإن تخلّلتها مثالبُ ظاهِرَة أو مآخذ مُحتَمَلة. فمن يستهويهم المتحدِّث من مقاطع أُولى يقفون عليها؛ قد يعطِّلون حسّ النقد وروح التمحيص لديهم مع مقاطع لاحقة يستدرجهم إليها انبهارُهم ما سبَق، وإن تذرّع انجرافُهم هذا بتشغيل العقل وتحفيز الوعي.

 

استعلاء على المراجعة والتدقيق

يُجهِد النّاقدُ نفسَه في تعقّب مادّةٍ مرئيّةٍ منزوعةٍ من سياقها وقد يُطيل النّفَس في تحقيقها وتمحيصها وتقليب النّظر الفاحص فيها، ثمّ يكتشف أنها ليست سوى نقطة يسيرة من تدفّقات غزيرة تسيل بها أوديةُ الشّاشات والشّبكات بقدرها؛ لصاحب المقطع ذاتِه أو مَن هم على شاكلته. ينبغي الإقرار بأنّ تحاشي التّدوين وفق الأصول يَسُدّ سُبُل المراجعة والتّحقيق والتّدقيق أو يجعل دروبَها شاقّة وَعِرَة، فينتهي الأمر بمَن يريد مراجعة هذه الخطابات وتحقيقها وتمحيصها إلى مطاردة طواحين الهواء؛ حسب سرفانتس في دون كيشوت.

  

   

غَنِيٌّ عن البيان أنّ الجهود التي تزعم المراجعة والنّقد والتجديد والاجتهاد؛ تتطلّب إتاحة فرص جادّة لمراجعة المراجعات ونقد النّقد والاجتهاد في تمحيص الاجتهاد، لكنّ فحصَ الفحوى لا يتيسّر لدى الاكتفاء بشظايا المرئيِّ والمسموع المنثورة في الشّبكات؛ التي لا يَنْظُمُها ناظم ولا يُطلَب منها التزامٌ بمواصفات البحث والتّدوين المُعتبرة، تَسْقُطُ بعض الخطاباتِ تحت إغراءِ نزعةٍ علمويّة طاغية؛ تَستعمِل لغةَ العِلم وسِماته وهيئته وإيحاءاته دون التقيّد بأصوله ومنهجيّاته وضوابطه ومقتضياته، فتغرق في مُخاطَبةٍ جماهيرية مشفوعة بفنون الأداء والمؤثِّرات السّمعية البصريّة؛ المؤهّلةِ للاستحواذ على الوجدان والهيمنة على الوعي؛ متخطِّية قنطرة المراجعة العلميّة والنّظر المدقّق بقصد منها أو بدون قصد، فتفعل فعلها حتى في مباحث دقيقة لا تحتمل التهاون في مسائل التحقّق والتثبّت أساساً.

 

لا تثريب في مقامات الوعظ والإرشاد والتّوعية العامّة والتثقيف الجماهيريّ على الاقتصار على حلقاتِ الشّاشات ومقاطع الشّبكات؛ لكنّ الاكتفاء بها مما لا يصحّ في مقام يُزعَم فيه الاشتغالُ العلميّ المنهجيّ الرّصين على بصيرة. وفيرةٌ هي الإطلالات المرئيّة التي يوحي أصحابُها بالتزامِهم بالتّدقيق المنهجيّ والتمحيص العلميّ دون أن يأتوا ببحوث مسطورة منهم أو دراسات منشورة لهم أو مدوّنات يتيحونها في حقول تناوُلهم؛ وهم في هذا المنحى يتعالَوْن على قابلية النّقد العلميّ لمزاعمهم ولا يتواضعون لمتطلّبات النّظَر النّقديّ في مضامينهم، وقد يسطو بعضُهم بمؤثِّرات الأداء البارع على الأذهان والوجدان ويستلبون جمهورَهم ويستقطبونه مِن حيث لم يحتسب، وقد يمنح أسلوبُهم هذا انطباعاً مبرّراً بممارسة التّضليل والتّدليس أحياناً.

 

يجوز الافتراضُ بأنّ إحجام بعض أصحاب الخطابات المرئيّة والمسموعة عن التّدوين حسب أصوله في مسائل علميّة يتناولونها؛ يأتي مِن خشيَتهم من التّفريط بسُلطان الصُّورة والمشهد على جماهيرهم؛ أو من تحسُّسهم من انكشافِ مضامينهم مجرّدةً للأنظار الفاحصة ومن تهافت فحواهم وعَجْز أدواتهم وضعف مَراجِعهم وتحيُّز مقارباتهم.

 

تتفاقم المعضلة مع المخاطبة المرئيّة التي تُوحي بالجدارة والاقتدار وتستدرّ الاستلابَ والانبهار؛ فهي تُغري من هذا الوَجْه بتحييد الحِسّ النّقدي وتعليق روح التّمحيص لدى جمهورها؛ بما يُتيح الهيمنةَ على الوجدان واجتياح الأذهان؛ سواء أوَقَعَ هذا حقّاً أم لم يقع. وما يُعَزِّز هذا المنحى أن تَقتَصِر المخاطبةُ على المرئيّ والمسموع دون النّشر المقروء بواسطة التّدوين والتّسطير؛ فيَشُقّ الفحص والمراجعة والتدقيق في الفحوى على الراغبين بذلك؛ وتفعل المخاطبة السمعية البصرية فعلها بما تستدعيه من مؤثِّرات الهيْئة والأداء ولَحْن القوْل.

 

جدير بالنّظر أنّ مقاطع الشّاشات والشّبكات تبقى حالة مرئيّة وليست نصوصاً مُستلّة من متلازماتها، وهي بالأحرى حالة سياقيّة تَتَلازُم إطلالاتُها مع ظرفيّات لحظيّة وموسميّة وما تقتضيه مقامات المُخاطَبة؛ أكثر مما عليه الحال عادة في التّثبيت النّصِّي المنشور في الكتب والأسفار والمنشورات والدوريّات العلميّة؛ الذي يتضاءل انفعالُه بلحظَتِه ومَوْقِفه.

   

   

مقام القول وسياقه

يتأهّل النصّ المنشور في كتابٍ أو دراسةٍ أو مقالةٍ علمية أو مجلّة بحثيّة أو دوريّة فكريّة؛ للاستقلال النِّسبيّ عن السِّياق الظرفيّ اللّحظيّ، مقارنةً بكثير من محتوى المخاطبة الجماهيريّة المُكتفية بالمرئيّ والمسموع. أي أنّ التّعامُلَ مع ما يأتي في إطلالات الشّاشات والشّبكات بصفة مستقلّة عن سياقها وظرفيّاتها وملابساتها ولحظيّاتها؛ لا يمنح إدراكاً يستوعب الفحوى كما ينبغي ويقف على المضامين كما يجب أو يقرأ دلالاتها كما جاءت في المنشأ. فالسِّياق يمنحُ النّصّ المجرّد - علاوة على الأداء المُصاحِب للنّصّ عموماً في مقامات المُخاطبة - مخزوناً من التّأويلات التي قد لا تُدرَك من النّصِّ المُستقلّ عن السِّياق، وقد ينقلب المعنى – تصريحاً أو إيحاءً - إلى ما يُفارِقُ ظاهرَ النصِّ المجرّد أو يُعارِضه أو يُناقِضه. يبقى السِّياق مُؤهّلاً لتأويل المضامين المُلتَبسة والتّعارضات الظّاهرة التي تتجلّى لدى مقارنة المقاطع المنثورة في الشّبكات لمتحدِّثٍ واحد يأتي بالقول ونقيضه.

 

لا يصحّ الحُكْم على أقوالٍ تدفع بها الشّاشات والشّبكات بمعزل عن مقاماتها وسياقاتها؛ وإنْ انفلتت المضامينُ منها وانْساحت في التّداول الجماهيريّ. فالدّعوة إلى التحلِّي بالصّبْر والحكمة، مثلاً، قد تنقلب إلى مغزى غير حميد إن جاءت في ظرف يستدعي المُجالَدة والإقدام والصّدع بالحقّ ومناجزة الظُّلْم؛ وقد تُحمَل دعوةٌ كهذه، حينها، على التّثبيط والإحجام والتّقاعس، وهو ما يتّصل بميزان القِيَم ومنهجية استدعائها أو إغفالها أو إرجائها.

 

غَنِيّ عن البيان أنّ مقام القوْل، في مقطع مبثوث، قد يقلب المغزى ويقدح بالمقصد أو يرقى به أو يهوي، فالتفكّر في المخلوقات ممّا حضّ عليه الله تعالى في كتابه الكريم، لكنّ الامتثال لذلك بسَرد "مزايا البقر" في محفل هندوسيّ أو تعداد "خصائص النّار" في وسط مجوسيّ؛ حقيق به أن يضع القوْل الحميد في أصله؛ في دائرة الانحراف أو أن يفرض الاشتباه بمقصده والارتياب في مغزاه. ومن يََذُمّ التحزُّبَ في حضرة الملأ المتحلِّق حول حاكِمٍ مستبدّ؛ قد يُحمَل هذا منه على التزلُّف والمُداهنة، وإنْ كان في بعض صُوَر التحزُّب الأعمى ما يُذَمّ أساساً.

 

وإنْ امتدَح أحدُهم غيْرَه؛ فإنّ المديح قد يُحمَل على ذمِّ الممدوح إنْ استحقّ ما فوق ذلك، أو قد يَشي بذمِّ غيْره إن اكتُفِيَ بمدحه في حضرة غيْره ممّن هم في مرتبته أو فوقها؛ أو إنْ اختُصّ بذلك دون سواه ضمن سَرد تتعدّد فيه الأسماء وتتعاقب، ولا يَقتَصِر الخطاب على ما يُباح به تصريحاً، فهو يشمل المُوْمَأ إليه تلميحاً والمسكوت عنه أيضاً بصفته هذه. ومِن الصّمت أو السُّكوت ما يكافئ القوْل أو الإفصاح، وقد يكون في هذا أبلغ من قوْل القائلين ونَصّ الكاتبين، أمّا إنْ كان سكوتاً على ما يستوجب الإنكارَ ويقتضي التّعقيب؛ فإنه يحمل شبهةَ ضلوعٍ أو يشي بانعقادِ تواطُؤ. ومن يستنكر فظاعةً اقتُرِفَت؛ قد يُحسَب هذا عليه تهاوناً معها إن بدا أنه لم يُشَدِّد النّكير عليها، ومن يشدِّد النّكيرَ عليها قد يُعَدّ من المتقاعسين إن ظُنّ به الاقتدارُ على دفعها ورَدْع مثيلاتِها واقتَصَر على الإنكار دون التصرّف أو الحضّ عليه.

  

مزاعم علمية في سباق "المؤثرين"

تُوحي بعض الخطابات بالاشتغال العلميّ والفكريّ والتدقيقيّ لكنها تلتزم المخاطبة الجماهيريّة المرئيّة في الشاشات والشبكات دون أن تنفتح في واقعها إزاء الأنظار الفاحصة أو النّقد الرّصين وإن أعلنت ترحيبها بهما. تنجرف بعض الإطلالات المبثوثة في الشّاشات والشّبكات في حمّى "المؤثِّرين" وسباق "الأعلى مشاهدة"، فتنصرف إلى تكثيف التحلّق الجماهيري حولها وكسب الإعجاب بها؛ بعيداً عن الاشتغال العلميّ والبحثيّ والفكريّ بطرائقه وأدواته ووسائطه. فهل يستقيم الأمر حقاً على هذا النحو؛ في أبواب المراجعة والتجديد والاجتهاد، دينياً وعلمياً وفكرياً، وإن تحقّقت لوجوه المقاطع المرئية تأثيراتٌ قد تُحسَب على التنوير والتثقيف والتحفيز؟

 

من عجائب هذه الحالة أنّ بعض وجوهها تُرَغِّب بالقراءة لكنّها تزهد بالتأليف، وقد تظهر في إطلالات مرئيّة بين صفوف الكتب والأسفار لكنها تمتنع عن الإتيان بعمل واحد جديد لتشغيل الأذهان بالقراءة الفاحصة المجرّدة عن الهالة المرئيّة، ثمة مكاشفة واجبة مع مزاعم العلم والفكر والتّجديد والاجتهاد التي تتحصّن بمقاطع الشّاشات والشّبكات وتنغلق دون فرص المراجعة والنقد والتمحيص، ولا غنى عن مراجعات نقديّة جادّة ورصينة في هذه الألوان من الخطاب والمخاطبة وتمحيصها على مرأى من الجماهير؛ ولن يتأتّى هذا دون التحرّر من هيمنة المرئيّ والمسموع والانعتاق من سطوة تأثيراته المتضافرة على الأذهان والوجدان باستثارة الحسّ النقدي وروح التمحيص لدى الجماهير عموماً.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة