ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
809

من نفوذ إيران إلى نفوذ تل أبيب في السودان.. أين تقف السعودية؟

24/2/2020

لقد كان من المألوف مشاهدة السفن الإيرانية على شواطئ السودان وموانئها في زمن الرئيس المخلوع عمر البشير، ومنذ أيام كشف الموقع الإلكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت العبرية عن تحليق طائرة تابعة لرجل أعمال صهيوني فوق الأجواء السودانية، وذلك بعد أيام من اللقاء الذي جمع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو ورئيس المجلس السيادي في السودان عبد الفتاح البرهان، هكذا بدا المشهد بعد ثورة رفضت التطبيع الإيراني أو مع الكيان الغاصب في هذا المقال نستعرض موقف السعودية من الحالتين بعد استعراض آثارهما على كل من السودان والسعودية وتباين المواقف بينهما.

  

تكمن أهمية السودان الاستراتيجية في موقعها الجيواستراتيجي، المتمركز في قلب العالم العربي، والملاصق لمصر. ومع الوضع في الاعتبار ذلك الترابط العضوي بين مصر والسودان وتأثر كل بلد بما يحدث في الآخر فإن السودان تعد من الأهمية بمكان لارتباطها مع أكبر الدول العربية وأكثرها تأثيرا في المنطقة لعوامل تاريخية وجيوسياسية والحالة الوازنة لها عسكريا واقتصاديا، ومع الوضع في الاعتبار ووقوع السودان بين أهم معبرين للتجارة العالمية والنفط في المنطقة، وهما قناة السويس وباب المندب، حيث تعبر يومياً نحو مائة سفينة و120 ألف برميل من نفط الخليج، نستطيع أن نفهم مدى أهمية السودان لأي قوة فاعلة في المنطقة.

 

الكفيل السعودي داخل بقوة في السودان من طريق العسكر، لا لدعم الثورة ولكن لإيجاد نفوذ لها في السودان الجديد،

هذا الموقع المميز للسودان جعلها في بنك أهداف القوى المتنافسة على صدارة المشهد الشرق أوسطي، كمعبر لهذه المنطقة التي تموج بالتدافع بما لها من قيمة نسبية عالية في العالم تاريخيا ومستقبلا، اقتصاديا وعسكريا، حتى على مستوى تصدير المشاكل للقارة العجوز، فهي محط اهتمام لتسكين الآلام قبل أن ينفجر الجرح، ومن هنا سعت إيران بكل قوة للوجود في السودان، ففي ظل قطيعة عالمية وحصار قاتل للخرطوم، قدمت طهران نفسها على أنها متنفس للبشير من الضوائق المالية والأزمات الاقتصادية التي يعيشها والتي قد تنفجر في أي لحظة لاسيما وأن مصر شهدت ثورة عظيمة أطاحت بواحد من أساطين الدكتاتوريات في العالم، حسني مبارك، وهو ما جعل البشير يفتح أبوابه لاستثمارات طهران وايدولوجياتها على حد سواء، ومن جهتها لا تتوانى إيران في الولوج للمجتمعات من خلال أدواتها الناعمة (الثقافة والقيم السياسية والسياسة الخارجية).

 

استطاعت إيران من خلال ثقافة التشيع أن تجعل لها قاعدة ليست بالضعيفة في صفوف العوام السودانيين، لاسيما وأن مدخل التصوف كان فرصة كبيرة للولوج إلى المجتمع السوداني، ومع تزايد أعداد المتشيعين – نصف مليون – بدأت السعودية التحرك والحضور بقوة في الساحة السودانية بعد أن أهملتها لسنوات تعاني الضوائق الاقتصادية، فقدمت للبشير أربعة مشاريع إنسانية لإنقاذ الاقتصاد السوداني المتعثر بفعل العقوبات، وقدم البشير في المقابل التضيق على حراك إيران الناعم باسم الدين فأغلق المراكز الإيرانية كعربون لما قدمته الرياض قبل أن يسارع للانضمام إلى التحالف "العربي"  لدعم الشرعية في اليمن، وصولا لقطع كامل علاقاتها الدبلوماسية مع إيران مطلع العام الماضي 2016 بعد إعدام الرياض رجل الدين الشيعي نمر النمر، مع وعود بزيادة استثمارات سعودية بقيمة تتجاوز 11 مليار دولار.

  

مع سقوط البشير إثر الثورة الشعبية و"انحياز" الجيش لمطالب الثوار ومع توالي الأحداث التي انتهت بوصول عبد الفتاح البرهان لرئاسة المجلس السيادي في الدولة، كشف رئيس وزراء الكيان الصهيوني عن لقاء جمعه بالبرهان في كمبالا، اللقاء الذي أثار زوبعة في المجتمع السوداني وأدانته الأحزاب، وبرره البرهان ورفاقه بأنه من أجل مصلحة السودان وشعبها، مؤكدا أن التطبيع مع الكيان الصهيوني هو البوابة السحرية لرفع السودان من قوائم الدول الداعمة للإرهاب، ومن ثم رفع العقوبات عنها تمهيدا لضخ الاستثمارات الدولية لنقل السودان من حالة الفقر المدقع إلى الرخاء والتنمية، على حد توصيف العسكر وإعلامه، لكن اللافت تلك الحالة الإعلامية السعودية – الإماراتية المؤيدة لموقف البرهان وزملاؤه في الانفتاح على الكيان الصهيوني، والتي تعكس بالضرورة الموقف الرسمي في البلدين ورضاه عن هذه الخطوة.

   

لقد كان الموقف السعودي مغايرا لما كان عليه بالنسبة للنفوذ الإيراني في السودان، ويفسر ذلك من عدة أوجه، بداية ما أملته خطة ترمب لتسوية القضية الفلسطينية، أو ما يسمى بصفقة القرن، الكفيل السعودي داخل بقوة في السودان من طريق العسكر، لا لدعم الثورة ولكن لإيجاد نفوذ لها في السودان الجديد، السودان الحر الذي يرفض الإملاءات، وطريق ترسيخ نفوذ العسكر يبدأ بمزيد من الرفاه يستميل الشعب ويرفض الشعارات الثورية، ومفتاح هذا الطريق التطبيع لترضية السيد في واشنطن، ولن ترضى واشنطن ولا تل أبيب إلا بحماية الأخيرة، فالدور المنوط بالعسكر الآن هو وقف تدفق السلاح من السودان إلى حماس غزة عدو النظام السعودي الأول الآن في أولويات العداوة ومن ثم تدعم العسكر في السودان لحماية الكيان الصهيوني.      

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة