ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
5.1 k

فتنة كورونا.. هل تدفع العالم نحو الشمولية؟

15/3/2020

في ليل الثالث عشر من مارس الجاري، حطت في مطار روما طائرة قادمة من الصين، بعد أن قطعت مسافة حوالي عشرة آلاف كيلومتر، لتحمل على متنها ثلاثين طن من المساعدات الطبية لإيطاليا ومعهم ثلاثون طبيبا متخصصا في الأمراض الجرثومية، هو ذات الطاقم الطبي الذي كان في عين المكان ومنبع الوباء.. في ووهان الصينية منشأ الفيروس القاتل والذي أرعب العالم، ومع نجاح الصين في احتواء الأزمة نسبيا، بعد أن أظهرت المقاطع المصورة تفكيك المستشفيات الجاهزة التي أعدت خصيصا لاحتواء الأعداد المهولة من المصابين فيروس كورونا، فبحسب نائب الأمين العام لمجلس الدولة الصيني (مجلس الوزراء)، دينغ شيانغ يانغ، خلال مؤتمر صحفي في وهان، معقل ومركز تفشي المرض، قال إن الصين قامت بتجديد وبناء 86 مستشفى و16 مستشفى مؤقتا، حيث وصل إجمالي عدد الأسرّة إلى أكثر من 60 ألف سرير. هذا الرقم ليس وحده هو ما جعل الصين بل أن التدابير الاحترازية والحجر الصحي المنزلي، الذي أقعد ما يزيد على الــ 30 مليون مواطن في منازلهم، مع المختبرات التي كانت تعمل ليل نهار لاكتشاف عقار للفيروس ومضادات للحد من انتشاره والطواقم الطبية التي قدم عدد منها أرواحهم أثناء العمل، في ظل إجراءات صارمة وشرطة وجيش يتابعون تطبيق التعليمات بالقوة، وعوامل أخرى، جعلت الرئيس الصيني يعلن زوال الخطر على الشعب الصيني من مدينة وهان نفسها.       

 

هذه الحالة دفعت المحللين للنظر في التجربة، لاسيما وأن أوروبا معقل الديمقراطية والمبشرة بها وصاحبة المنظومة الطبية الأفضل والأعرق تعاني الآن ويتساقط رموزها أمام الفيروس بداية برئيس أركان الجيش الايطالي إلى ملكة وملك النرويج، وهو ما يعني أن التعليمات الصارمة لم تقدم شيء للشعب، وأن الحريات التي تتمتع بها الشعوب الغربية وعدم قبول فرض الإجراءات بالقوة أو الحجر على تلك الحريات، جعل الفيروس ينتشر حتى أصبحت أوروبا الآن هي معقل الفيروس، إيطاليا، أسبانيا، فرنسا، وبريطانيا، وكل ما يملك المسئولين هو تخويف الشعب حتى يخضعوا للتعليمات الصحية، فميركل تصرح بأن 60% من الشعب الألماني معرض للإصابة، وبوريس جونسون يقول إن عدم الالتزام بالتعليمات سيفقدنا الكثير من الأحباب، وإيطاليا عندما أردت أن تفرض الحجر المنزلي على ميلانو حددت ساعة ستغلق بعدها المدينة، وهو ما جعل أهلها يفرون منها إلى مدن أخرى، وهو ما قد يكون سبب انتشار الفيروس في مدن أخرى.

   

  

هكذا إذن السلطات في الغرب، لا تملك سلطة الإذعان وفرض الأوامر، كما يقول البعض الذي فتن بتجربة الصين الصارمة، كما يعزو هؤلاء فشل الغرب في احتواء الفيروس وعدم تطبيق الاحتياطات اللازمة إلى أن الحكومات المنتخبة في الغالب تكون حاصلة على 52% على الأكثر وهو ما يعكس الانقسام في المجتمعات! ما يعني الشد والجذب والتأخر في اتخاذ القرار، وهو أخر الكثير من تلك الحكومات في اتخاذ الإجراءات اللازمة بسرعة، وهو ما يعني أن الحكم المركزي وفرض القرارات بسرعة جعل الصين تمرر القرار وتلزم بها الكافة سواء وزارات أو أفراد، حتى أن أحدهم صعد من سقف الحديث عن (نجاح الصين) إلى حد القول إن الديمقراطية نعيش أزمة في العالم أجمع، وأن الغرب نفسه بدأ يكتب عن فشل المنظومة الديمقراطية، وهو ما يجب أن يفتح نجاح الصين في التصدي لفيروس كورونا على فتح نقاشات سياسية وفلسفية حول الحكم الديمقراطي والليبرالية وطرق ونظم الحكم وما يتخللها من تمرير القرارات وتنفيذها، فالحاكم القوي الذي يستطيع أن يفرض رأيه وقراراته خاصة في الأزمات فيقود المجتمع لا يترك المجتمع يقوده، ويضرب هؤلاء المثل بالرئيس ترامب الذي أعلن حالة الطوارئ في الولايات المتحدة الأمريكية متأسيا في قراره هذا بالصين للحد من انتشار الفيروس.

  

من مثال ترامب ينكشف أصحاب هذا الرأي، فترامب الذي جمع في مؤتمره الصحفي جمع ممثلين عن شركات الدواء وممثلين عن قطاع المستشفيات ممثلين عن قطاع الأمن الغذائي والمتجر الغذائية الكبرى وحتى شركة جوجل الخاصة بمحركات البحث عبر الإنترنت كانت حاضرة، بما يعني أن المجتمع المدني بالإضافة إلى الإدارة الأمريكية كانت حاضرة في مؤتمر الرئيس الأمريكي، ومع ذلك اتخذ القرار، لكنه لم يفرض القرار بالقوة الجبرية، فقد جعل مل المشاركين يتكلمون واشعر الشعب أن أمريكا كلها يد واحدة، وهو ما يمكن تصنيفه بالتأهيل النفسي للجماهير لمواجهة الأزمة.

 

المؤتمر الصحفي لترامب وما نتج عنه من قرار يؤكد أن الأزمة ليست في الديمقراطية بل في إداراتها، معلوم لدى الكافة أن هناك علم أسمه إدارة الأزمات، هذا العلم بالأساس مبني على التنبؤ، فعلم إدارة الأزمات يضع سيناريوهات للأزمة المحتملة بعد تصنيفها ويضع خطط للمواجهة على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وتحليل النتائج بحسب كل سيناريو ووضع حلول للمشاكل التي يمكن أن تنتج عن كل سيناريو للحد من آثاره السلبية لمنع تحول الأزمة إلى كارثة، ومن ثم العمل على السيطرة الكاملة على الحالة النفسية بمجال حدوث الأزمة وإعادة بناء الثقة النفسية بهم لتأهيلهم سريعا والاستفادة من قدراتهم الإنتاجية.

 

لقد ناضلت الشعوب العربية من أجل الديمقراطية ولا تزال، الديمقراطية التي تعني عند العرب حكم الشعب لا الفرد، والتي تعني الشفافية والمحاسبة، والتي تعني المشاركة في القرار حتى يتحمل الجميع تبعاته، الديمقراطية لدى الشعوب العربية تعني تحطيم الأصنام، والكفر بآراء الرئيس المُلهَم، وكسر وصايته، نضال الشعوب العربية من أجل الديمقراطية، يعني بلوغها سن الرشد، ولن تسمح تلك الشعوب لدكتاتور جديد مهما طال الزمن أن يحكمها، حتى مع انتكاسات ثورات الربيع العربي، فإنها ترفض من يحكمون الآن بالقوة، وستزيل آثارهم بعد حين، لكن يناير وأخواتها غيرت كثيرا، حتى أصبح الحديث عن الشمولية ضرب من التاريخ مكان المتحدث عنها متاحف الشمع.          

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة