أيوب الريمي
أيوب الريمي
9.4 k

"مناعة القطيع".. تعرف على اللقاح البريطاني لمواجهة كورونا

17/3/2020

"سأكون صريحا كثيرون سيفقدون أحبابهم"

 

هذه العبارة لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون هزت البريطانيين والعالم، البعض اعتبرها صراحة قاسية، والبعض الآخر عدها مبالغة فجة، ستزيد من حالة الهلع في صفوف الناس، لكنها ربما مع الأسف واقع لا مفر منه، كثيرون سيودعون كبارهم في هذه المحنة ولا أحد مستثنى.

 

لكن كالعادة بريطانيا تعتبر نفسها الاستثناء في كل شيء، وتصر على التشبث بفرادة نموذجها، كل الدول توقف الدراسة، تغلق الحدود، تفرض الحجر الصحي، إلا بريطانيا لحد الآن الحياة فيها كما ألفها الناس على إيقاعها الرتيب، فقط توقيف الدوري، ومطالبة ملحة بالوقاية، والحجر الصحي في حال الشعور بأي أعراض للفيروس، ويبدو أن الأولوية حاليا هي لعزل كبار السن، ما فوق سن السبعين، وحتى هذا القرار لن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد أسابيع، وسيفرض على كبار السن، عزل ربما يصل لأربعة أسابيع، رغبة في تقليص عدد الوفيات بين هذه الفئة التي تعد الضحية الأولى التي يفتك بها فيروس كورونا.

  

في الندوة الصحفية التي ألقى فيها جونسون تصريحه الصادم في وجه البريطانيين دون تردد، كان معه شخصان، كثيرون لم ينتبهوا لهم وهما، الطبيب العام (هو المراقب العام لكل قطاع الصحة)، والثاني هو كبير المستشارين العلميين السير باتريك فالانس، وهو واحد من أساطير الطب في العالم، وحاصل على ست جوائز رفيعة في مجال الطب والأدوية، يفسر كبير المستشارين، عدم رغبتهم في إغلاق المدارس، بعدم فعالية الأمر (نفس الموقف تتبناه السويد وفنلندا) لأن منح الأطفال عطلة والإبقاء على آباءهم في العمال، معناه أنهم سيبقون لوقت أطول من الجد أو الجدة، وهؤلاء هم الأكثر عرضة للخطر.

 

يقول أيضا إن منحى حالات الإصابات سيرتفع في الأيام القادمة، وهدفهم ليس التقليص منه بشكل حاد كما فعلت الصين بإجراءات قاسية (ربما غير مقبولة في دولة غربية)، وهدفهم حاليا هو تقزيم المنحى التصاعدي، لأن الفيروس قادم لا محالة ولهذا فهم يتوقعون إصابة أكثر من ستين بالمائة من البريطانيين به، تحاول بريطانيا الآن تأخير الوضع الذي وصلت إليه إيطاليا، إلى نهاية شهر ماي، حيث يخف الضغط على المستشفيات ويكون الاستعداد أكبر (تم وضع خطة لاستدعاء كل المتقاعدين حديثا في قطاع الصحة).

      

   

أين الدراما؟

الإثارة بدأت عندما خرج كبير المستشارين العلميين للدولة، بنظرية مرعبة وهي "مناعة القطيع"، مفادها أنهم بحاجة إلى أن يصاب أكثر من ستين بالمائة من البريطانيين بالفيروس ليطورا مناعة ذاتية ضده، لأن الفيروس سيعود لا محالة مع فصل البرد القادم، وهذا ما سيجعلهم تركيزهم ينصب فقط على كبار السن، طبعا هذا الرأي المبني على تقديرات اللجنة العلمية التي تضم عمالقة الطب ومنهم حاصلون على نوبل في الطب، لكن منظمة الصحة خرجت اليوم تحذر منه، لأنه تم تسجيل حالات تعافت من الفيروس وعاد لها من جديد.

 

ولكن يظهر أن بريطانيا تتعامل مع كورونا بمنطق الإحصاء والواقعية الصعبة، ولا أبالغ عندما أقول إن الجميع يضع يده على قلبه، وهو يتابع التعامل البريطاني مع هذه الأزمة، ويخشى أن يتحول الملايين لفئران تجارب، في رهان قد يخسر وقد يفلح، فكل متجول في الشوارع لن يشعر أبدا بأن هذه البلاد معنية الفيروس، باستثناء المتاجر التي شهدت إقبالا جنونيا من الناس بغرض التخزين ما قد يلزمهم في الأيام القاسية المقبلة.

 

قلت إن المملكة تتعامل مع الوضع بمنطق الإحصاء، ولهذا قدرت اللجنة العلمية المختصة بمتابعة المرض أن أعداد المصابين المحتملين هو تقريبا 10 آلاف علما أن الحالات المكتشفة حينها كانت في حدود 500 تقول هذه اللجنة العلمية إن كل مريض قد يحتك مع عشرين شخص على الأقل خلال خمسة أيام وهي مدة حضانة الفيروس، وهكذا فهي تضع احتمال إصابة عشرين ضعف الرقم المعلن عنه.

 

وأنا أتابع ما تقوم به الحكومة البريطانية، قطعا أضع يدي على قلبي من فداحة خسائرها إن هي أخفقت، وخصوصا مع تعالي الأصوات المعارضة، لسياسة "مناعة القطيع" التي عبر عنها أكثر من 200 عالم في الأوبئة من بريطانيا وخارجها، وقد تزيد دهشتك، عندما تعلم أن حكومة جونسون تتوقع الأسوء وتضعه في الحسبان، فحسب وثيقة سرية لوزارة الصحية اطلعت عليها صحيفة "غارديان" فإن "سيناريو الرعب" التي تضعه وزارة الصحة، يتوقع أن يصيب الفيروس 80 في المائة من البريطانيين، وأن عدد الموتى قد يصل إلى نصف مليون شخص.

     

    

هل هي مقامرة من جونسون؟

في الوضع الحالي جونسون لا يتحرك لوحده بل بناء على توصية لجنة عملية لها كامل الصلاحيات لاتخاذ ما تراه مناسبا، حتى أن المعارضة عندما شككت في مخطط جونسون، تم عقد اجتماع بينها وبين الحكومة واللجنة العلمية، وخرجت المعارضة دون إبداء مواقف رافضة، وتعول هذه اللجنة على أن الناس في بريطانيا لو فرض عليهم الحجر العام وهم في بداية انتشار الفيروس، فقطعا سوف يتعبون بعد شهرين عندما يكون الفيروس قد وصل لأوج انتشاره في البلاد، ويراهنون على أن البريطانيين ينصاعون للقانون يعني متى قررت الحكومة فرض الحجر سيلتزم الجميع عكس ما حدث في إيطاليا في البداية.

 

حاليا تتجه الحكومة لمنع التجمعات والتظاهرات وحفلات الغناء، والهدف هو تخفيف الضغط على سيارات الشرطة والإسعاف، لتظل متأهبة لمواجهة انتشار الفيروس، ثقة البريطانيين، وربما يراه البعض غرور، يكمن في رهانهم على مختبراتهم العلمية، وحاليا يصنعون جهازا صغيرا للكشف عن الفيروس في مدة قصيرة، (ربما يتطلب تصنيعه أسابيع).

 

وطبعا إمكانيات المختبرات ليست من فراغ، وإنما من الإمكانيات المالية، حيث خرج وزير الخزانة وأعلن أنه يمنح للسلطات الصحية شيكا مفتوحا لإنفاق ما يريدون لمواجهة الفيروس، وتم تخصيص حوالي 40 مليار دولار لمواجهة هذه الأزمة ما يقل بـ10 مليار فقط عن أمريكا، رغم أن سكان الولايات المتحدة حوالي خمسة أضعاف سكان بريطانيا، يعلم بوريس جونسون أن مستقبله السياسي، رهين بخطته في مواجهة الفيروس، ولو فشل ستكون نهايته لا محالة، خصوصا إن تواترت معطيات ووقائع تظهر نقائص الخطة البريطانية وأصر جونسون على المضي فيها قدما.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة