عبد الجبار الحروب
عبد الجبار الحروب
483

الحجر ما بين المدن والأرياف

19/3/2020

منذ ظهور فيروس كورونا وانتشاره مطلع هذا العام إلى معظم دول العال من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وكلمة "الحجر" تلازم الحديث عن هذا الموضوع، حتى أضحت العزلة العلاج الوحيد، إن الحديث عن الحجر يختلف من مكان إلى آخر، وما لفت نظري أن الحجر الاختياري أو الإجباري يتأثر بمكان الإقامة. فالحجر في المدينة ليس كالحجر في الريف أو البادية. والحجر في المنطقة الجبلية غير الحجر في المناطق الساحلية. فلكل حجر ميزات وعيوب.

 

منذ بداية شهر آذار وضعت نفسي وعائلتي في حجر منزلي طوعي، لا أخرج إلّا للعمل وقضاء حاجيّات البيت الأساسيّة، أما زوجتي فتقضي جلّ وقتها في عمل أنشطة ترفيهية لابنتنا ميرة، التي ضجرت من جَلسة البيت، فالحجر في المدينة ليس كالحجر في الريف، مع أنه في الوقت الحالي تلاشت الفوارق ما بين الريف والمدينة، حتى أضحت القرية مدينة صغيرة.

 

ففي المدينة، تستيقط على أصوات ضجيج السيارات والمصانع وآلات الحفر التي لم تتوقف حتى في حالة الطوارئ المفروضة. وما أن تطل من شرفة المنزل، لا تلحظ إلا مباني شاهقة متراصة، هذا إن كانت شقتك في الطوابق العلوية، وأما إذا كانت في الطوابق السفلية، فإنك لا ترى إلا جدارًا إسمنتيًا وموقف سيارات العمارة، أما في الريف، فالحجر ليس بحجر. تستيقظ باكرًا على ضوء أشعة الشمس وأصوات العصافير التي تنتقل من شجرة إلى أخرى، وصياح الديك الذي ينذر بنهار جديد. وما أن تطل من أي شرفة من المنزل ترى الأشجار الخضراء والحقول الغناء على مدّ البصر، وتلمح وسطها بضع دجاجات ونعجات وحصان وكلب حراسة، وحول البيت أشجار الليمون والبرتقال والزيتون، وأزهار وورود تفوح منها روائح عطرية، وأحواض للنعناع والبقدونس. ولتغنى البحتري بهذا المنظر قائلًا:

  

أتَاكَ الرّبيعُ الطّلقُ يَختالُ ضَاحِكًا منَ الحُسنِ حتّى كادَ أنْ يَتَكَلّمَا

وَقَد نَبّهَ النّوْرُوزُ في غَلَسِ الدّجَى أوائِلَ وَرْدٍ كُنّ بالأمْسِ نُوَّمَا

يُفَتّقُهَا بَرْدُ النّدَى، فكَأنّهُ يَنِثُّ حَديثاً كانَ قَبلُ مُكَتَّمَا

وَمِنْ شَجَرٍ رَدّ الرّبيعُ لِبَاسَهُ عَلَيْهِ، كَمَا نَشَّرْتَ وَشْياً مُنَمْنَما

ولزاد على ذلك أبو تمام بأبيات أخرى في وصف الربيع الريفي

يا صاحِبَيَّ تَقصَّيا نَظرَيْكُمَا تريا وجوهَ الأرضِ كيفَ تصورُ

تريا نهاراً مشمسًا قد شابهُ زهرُ الربا فكأنما هو مقمرُ

دنيا معاشٌ للورى حتى إذا جليَ الربيعُ فإنما هيَ منظرُ

أضحتْ تصوغُ بطونها لظهورها نَوْراً تكادُ له القُلوبُ تُنَورُ

  

ولو كنت في حالة الطوارئ في بلدتي خاراس لربما قضيت جل وقتي خلال الحجر متنقلًا ما بين "الطف" و"الرسم" و"خلة الصرارة" و"خلة البيضا"، أو في فلاحة الأرض في "واد جبيب"، وقطف اللوز الأخضر أو الكرز.. فهذا موسمه. وطبعًا، مع الأهل والأقارب في "السافرية" المحروسة. ولربما اتخذت من مناطق هذا الريف رحلات جميلة، تتخللها حفلات شواء، أو جلسات قراءة.

 

لقد فاتتني، فما أمتع القراءة وأنت في أحضان الطبيعة، لربما تعمقت في موضوع التصوّف، أو غُصت في تاريخ الأندلس، "قصر الحمرا" و"مكتبة قرطبة"، أو أعدت قراءة روايات نجيب محفوظ: "السكرية"، و"بين القصرين" و"اولاد حارتنا"، ولماذا لا ألتقط صور الطبيعة، لقطة لفراشة تنتقل من زهرة إلى أخرى، وخراف صغيرة بدأت المشي حديثة العهد، وغيوم تسبح في سماء صافية تطاردها أشعة الشمس الذهبية، فهذا الأشياء ستنسيني الكورونا، وتقضي على الممل والفراغ.

  

نعم، الحجر في الريف ليس كحجر المدينة كمكان. ولعل د. وليد سيف حينما يرى هذا الريف الجميل لغيّر مقولته في مسلسل التغريبة الفلسطينية حينما قال على لسان علي ابن الريف "ما أجمل الريف وما أشقى حياة الفلاح". ولقال ما أجمل الريف وما أسعد حياة الفلاح. نعم ربما يشقى الفلاح في عمل الأرض، لكنه يجد المتعة في ذلك. وحياة الفلاح في ذاكرتنا هي متعة وليس شقاء، حتى أصبح ساكن المدينة شغوفًا بالريف والعيش فيه، حيث الهدوء والصفاء والنقاء، بعيدًا عن صخب المدينة وضجيجها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة