كيف تمّ تحويل جيش 73 إلى مجرّد أداة استبدادية؟!

22/3/2020

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حاول المهتمّون بدراسة سيكولوجية الإنسان فهم نفسية الضبّاط والجنود الذين ارتكبوا أفظع الجرائم، ونفّذوا أبشع المجازر الإنسانية من قتل واغتصاب ثم تنكيل بالجثث، لمحاولة الوصول إلى جوابٍ شافٍ حول هل منفّذو هذه المجازر أناس طبيعيّون، أم أنّهم مرضى نفسانيّون؟ وإن كانوا طبيعيين فهل يُعتبر تلقّي أوامر من سلطة عليا أمرا كافيا لارتكاب كلّ تلك الفظائع؟

 

ولمعرفة الإجابة على هذا السؤال قاموا بإجراء العديد من التجارب التي تندرج في باب علم النّفس الاجتماعي على عدد من المتطوّعين، لمعرفة مدى استعداد المشاركين لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم، من أشهر تلك التجارب اختبار ستانلي ملغرام 1961.

 

وقد كانت نتيجتها مرعبة ومفاجئة في نفس الوقت، فقد تبيّن أنّ أكثر من 65 في المائة من المتطوّعين كانوا على استعداد لارتكاب أفعال مخالفة لضمائرهم فقط لأنّ ما اعتبروه السلطة الشرعية هي من أعطتهم الأمر وهي التي عليها أن تتحمّل كامل المسؤولية التي ستؤول إليها النتيجة، وقد قدّم التجربة فيلم I…For Icarus 1979، حيث يقول بطل الفيلم في نهايته: "إذن فإنّ ثلثي السكان في مجتمعنا المتحضر الذي يدّعي الديمقراطية مستعدون لتنفيذ أي أمر مهما كان شنيعا".

 

وهنا نعلم يقينا أنّ المادة التي عرضها اليوتيوبر عبد الله الشريف في حلقته "الاختيار"، ليست صادمة فحسب، بل هي تعرّي الحقيقة البشعة التي نتغافل عنها ونتناساها ونحاول تجاهلها، حقيقة تحويل الجيوش الواقعة تحت سيطرة القوى الاستبدادية، من جيوش مدافعة عن أوطانها حامية لشعوبها، إلى جيوش تفتك بأبناء هذا الوطن وتبطش به، تحت إشراف آلة قمعية ضارية.

 

  

وإذا اعتمدنا على تجربة ملغرام كمدخل لفهم نفسية الضابط المصري كمثال على طبيعة ما يجري على أرض الكنانة وغيرها من الدول العربية الواقعة تحت سيطرة العسكر، فإنّه يمكننا القول أنّ ذلك الضابط الذي قتل ونكّل وأحرق جثة ذلك الشاب المسكين، كان إنسانا طبيعيا قبل أن يُمسخ إلى قاتل مسلوب الإنسانية منزوع الآدمية، يقتل وهو مستمتع بتصوير وتوثيق فعله الإجرامي، دون أن يشعر أنّه ارتكب عارا، ودون أن يحسّ بوخز في ضميره، لأنّ هذه التجربة بقدر ما أدهشت نتائجها علماء النفس بقدر ما أوضحت بأن النّفس البشرية تحمل داخلها عنفا مرعبا قد ينفجر في أية لحظة إن هو وجد المرتع الخصب والبيئة الملائمة وأعني بالمرتع الخصب استغلال المنصب وتطبيق الأوامر، وبالبيئة الملائمة حماية الجهات العليا لهذا العنف وتوسيعه.

 

كيف تمّ تحويل جيش 73 الشّهم، إلى جيش مجرم سفّاح

يمكن تلخيص كل ذلك في مشهد تجلّت صورته حتّى لم تعُد تخفى على أحد: جتمعت قوى الشرّ العربية والعالمية، خطّطوا وموّلوا ونفّذوا انقلابا عسكريا على الرئيس المدني الشرعي، والمنتخب الوحيد الذي عرفته مصر في العصر الحديث. وأقاموا مكانه طاغية، يسهل عجنه بين أيديهم بما يخدم مصالحهم وينفّذ أجنداتهم. ولتنفيذ كلّ ذلك لا بدّ لهم من تشويه كلّ من يعارضهم أو يخالفهم الرأي، وقد تمّ ذلك بمساندة ترسانة إعلامية ضخمة، تنفخ الطاغية وتمجّده، وتشوّه مخالفيه وتشيطنهم.

 

وهم يحتاجون بعد ذلك إلى جنود قساة المشاعر، غلاظ القلوب، فتمّ تهجين الجيش، بشحنه بعواطف الحقد على من أُعلن أنّهم مخالفين، لدرجة إلغاء الآخر وإنزاله من رتبة الإنسان، أو بالأحرى اعتبار حيواتهم غير جديرة بالحياة، إذ يكفيهم بعدها تلقّي أوامر من سلطتهم الفوقية المرهوبة أو المحبوبة، والتي كانت قد أعلنت في وقت سابق أنّها من ستتحمّل المسؤولية كاملة ولن يقف جندي أو ضابط أمام المحكمة مهما ارتكب من أفعال قمع وتعذيب، على حدّ قول السيسي: "لا مش حيحصل خلاص".

 

يقول الدكتور ممدوح عدوان في كتابه "حيونة الإنسان": "إنّ منفّذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معيّن وعواطف وأحقاد خاصة، يشعر بأنّه يؤدي خدمة خاصة للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. وهذه السلطة هنا، هي الحكومة أو الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة (الإثنية). الخصم "الحرّ" يجب أن يُصنّف على أنّه "لا إنساني"، كما يقول دافيد كوبر في "ديالكتيك التحرّر": "وغير الإنساني يصبح غير إنسان ... وبهذا يمكن تدميره تدميرا تامّا من دون أيّ احتمال لشعور بالذنب" ا.هـ

  

  

ولم يتبقّى إلاّ أن يحضوا بمباركة المؤسسة الدينية المتمثّلة في الجامية المدخلية، والتي باركت وما زالت تبارك الطغيان وتبرّره حيثما كان، فباتوا يرتكبون أفعالهم البشعة تلك معتقدين أنّهم في مهمّة مقدسة، لأنّه ما من إجرام إلا وقد حظي بمباركة دينية على اختلاف الأديان والمذاهب، ونحن لا ننسى أبدا كيف أن الجنود الصّرب كانوا يذبحون الأطفال ويغتصبون النساء ويقتلون العُزّل الأبرياء بمباركة من الكنيسة الأرثوذكسية في بلغراد، وكذلك مجزرة صبرا وشاتيلا التي كانت بمباركة حاخامات اليهود، وغيرها كثير من المذابح التي شهدها التاريخ الحديث والمعاصر.

 

ولم يتبقّى في الأخير إلا نصف شعب مستضعف مغلوب على أمره، يمثّل قاعدة الهرم الذي يتحمّل كل الضغط الذي يجثم فوق صدره، وشعب مستخفّ مع ذلك مخدوع يظن قوى الشرّ حامية له، ويصدّق أنّ رأس الطغيان ولي أمره، ويعتقد أنّ مهرجو المدينة الإعلامية إعلاميون، ويؤمن أنّ الشيوخ الذين يعيشون في أكناف السلطة هم شيوخ دين، ويزعم أنّ جيشه الحالي هو خير أجناد الأرض!

 

وقد نقل الدكتور ممدوح عدوان أيضا عن عالم الاجتماع البروفيسور رالف روزنتال قوله: "لكي تنجح الإبادة يجب أن تتوفّر لها أربعة عناصر، أولا أن يكون منفّذو الإبادة على اقتناع تام بصحّة عملهم، وبأنّهم يتّصفون بالامتياز العنصري والإنساني من غيرهم. ثانيا: أن يكون أمام المنفّذين مجموعة تستحقّ الإبادة من وجهة نظرهم. ثالثا: أن تتوفّر الأسلحة القادرة على التنفيذ بالسرعة المطلوبة. رابعا: أن تتمّ العملية وسط جو سياسيّ ومعنوي خاص لا يكترث لعملية الإبادة، وإنّما يقابل هذه العملية بالتفرّج عليها". إلى أن يصل به الأمر إلى درجة التعوّد على فعل ذلك، بل والاستمتاع به كتوثيق المشاهد وتصويرها، وقطع أجزاء من جسد الضحية للذكرى، وإلى الله المشتكى.

 

إذن هل هذا الجندي لا يُلام على فعله كما قد يُتبادر إلى الذهن: طبعا لا، فلا العقل يقول ذلك ولا المنطق ولا الأخلاق ولا الأعراف والمواثيق الدوليّة، فالجريمة يتشاركها كلّ من موّل وأمر ونفّذ وصوّر ورضي بها، وقد قال ربّنا جلّ جلاله: "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" (القصص:8)، وحرف العطف هنا يفيد مشاركة الجنود لفرعون ووزيره الإثم والخطيئة، لأنّهم أداة في يد الطاغية، ولولا جنود فرعون ما طغى فرعون، ولذلك قرن الله بينهم في العقوبة أيضا: "فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ" (القصص:40).

 

وقد سأل السجّان الإمام أحمد أيّام محنته: هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له: لا، لست من أعوان الظلمة، إنما أعوان الظلمة من يخيطون لك ثوبك، أما أنت فمن الظلمة أنفسه، وأختم بما ختم به الأخ عبد الله حلقته: اللّهم إنّ هذا منكر لا يرضيك، وليس لنا من الأمر شيء.. اللّهم إنّا نبرأ إليك من كل دم أريق بغير حق وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة