رمزي بوودن
رمزي بوودن
2.4 k

أي عالم ينتظرنا في زمن ما بعد الكورونا؟

23/3/2020

حل وباء كوفيد 19 على العالم فجأة، وتجاوز حدود البلدان وعبر القارات بأكملها، ولم تكن له جنسية محددة ولا ديانة معينة فضرب كل طبقات المجتمع من أفاضل الناس وأراذلهم الرؤساء والوزراء والفنانون والممثلون والرياضيون والعاديون طبعا، واستنفر فيروس Sars CoV 2 العالم بمنظماته ودوله وأنظمته، وبدى كأنه فضح العالم أكثر بعد أن امتحنه فحكم عليه بالفشل والتهاون واللاوعي أيضا.

لا شك يعتريني في أن الإنسانية ستتجاوز محنة هذا الوباء، بشرط أن تدفع الفاتورة التي ما زالت لم تسدد بالكامل، مثلما لا شك يعترينني كذلك أننا بصدد عالم جديد ستتم صياغته مرة أخرى، ستتغير فيه النظم الدولية وكذا الرؤوس السياسية التقليدية، وتتبدل موازين القوى وأوراق الضغط الدولي وأساليب التأثير وستظهر أدوات حوكمة جديدة وحتى إيديولوجيات ونظريات علمية ودينية حديثة وكلها ستتخذ من درس الكورونا قاعدة الأساس لأفكارها المستقبلية. إنها بداية جيو-إستراتيجية جديدة في عالم ما بعد الكورونا.

الديموقراطية لا تعني الصحة دوما
قبل أيام معدودة صرح رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي: انتهت حُلول الأرض، الأمرُ الآن متروك للسماء، وقد كان هذا الكلام نوعيا وسابقة بذاتها باعتباره دليلا على بداية جديدة نحو تغيير جذري في الفكر الديني لدى العالم الأول

منذ ظهور الفيروس وحتى الآن، تم تسجيل حوالي 350 ألف إصابة بالوباء تتوزع أغلبها بين الصين وأوروبا والولايات المتحدة بينما كان عدد الوفيات الأول من نصيب إيطاليا، ولم تشفع الأنظمة الصحية التي تتغنى بها هي وفرنسا وألمانيا وحتى إسبانيا وسويسرا وباقي القارة العجوز في التصدي للوباء، وحتى أمريكا ترامب وكندا لم يجابها الفيروس، في وقت استطاعت الدول الشمولية كروسيا وكوبا وكوريا الشمالية أن تنأى بنفسها وتمكنت الصين أيضا من تسجيل أول 74 ساعة دون أي إصابة، كما حافظت اليابان والدول الإفريقية على حالة صحية مستقرة. اتضح مع هذا قدرة الأنظمة الشمولية في الحفاظ على صحة مواطنيها واتضح أيضا أن النظام الديموقراطي لا يعني بالضرورة نظاما صحيا ناجحا وكذب من قال أن المرض لا يزور الديموقراطيات.

الصينيون القادمون من الخلف!

رغم أن الصين كانت موطن شرارة الفيروس الآتي من سوق مدينة ووهان، ورغم تكتمها الأولي على المرض، إستطاعت أن تتدارك الموقف وحققت في ظرف وجيز نتائج واعدة في مكافحة العدوى رغم وقوف العدد السكاني الضخم أمامها كعقبة، فتمكنت الصين من تسجيل نسبة وفيات لا تتجاوز 4 بالمئة مع عدد مصابين أكثر من 80 ألف، واستطاعت أن تغادر الصدارة العالمية في عدد الوفيات تاركة إيطاليا أمامها كما كانت أول دولة تسجل يوما كاملا دون إصابات جديدة. وحتى علميا كان الصينيون في الأكاديمية الوطنية للعلوم هم الأوائل في فك شفرة الحمض النووي الريبي (ARN) للفيروس وإكتشاف أصله الحيواني، واستطاعوا دراسة بنيته وعلاقته بفيروس (Sars Cov 1)، هذا عدا تقدمهم في أبحاث أخرى عن آلية عمله وطرق انتقاله ولقاحه ومن ثمة مشاركتها مع مختلف الأوساط العلمية العالمية. كما أن تضامنها مع الدول المصابة عن طريق ارسالها فرقا ومعدات طبية الى كثير من الدول المتضررة دليل على نضج ديبلوماسي وتحمل للمسؤولية أمام العالم. هذه مؤشرات عظيمة تؤكد أن مركز القيادة العالمي ينتظر التنين الصيني للإقلاع الجديد.

الوحدة الأوروبية الآيلة للزوال

على النقيض من ذلك، بدى الاتحاد الأوروبي ضعيفا جدا أمام أزمة كورونا تجلى ذلك بوضوح في خطابات قادته المليئة بالحزن والتشاؤم بعد، وهرول كل بلد إلى غلق حدوده بعد أن بلغ عدد الإصابات أكثر من 60 ألف، وأضحى كل فرد يسعى إلى الحفاظ على أمنه الصحي الوطني بعيدا عن المصلحة الأوروبية فلم يستطع الأعضاء أن يتفقوا على خطة وقائية موحدة، فوجدت دول الصف الثاني في الاتحاد نفسها وحيدة وما بكاء رئيس صربيا سوى أكبر دليل على ذلك، وكانت إيطاليا الغريق الكبير في بحر الأزمة بتسجيلها 475 حالة وفاة كأكبر حصيلة في يوم واحد فقط.

ربما ستكون أزمة وباء كورونا هي التي ستفيض الكأس في البيت الأوروبي المتصدع داخليا بصراعاته الاقتصادية والقومية وتباين المستوى بين أعضائه، وأيضا خروج بريطانيا منه، ثم تراجع تأثيره الخارجي وكذلك خسارته لأمريكا كحليف دائم بعد تصادمه مع دونالد ترامب الذي يبدو أنه سيواصل لعهدة ثانية، ولعل كل هذا سينذر بأيام صعبة تهدد خطر وحدته وتضعه على المحك بمجرد أن يخرج من حرب وبائية لا شك أنها ستنهك قواه.

التدين بين الشرق والغرب

قبل أيام معدودة صرح رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي: انتهت حُلول الأرض، الأمرُ الآن متروك للسماء، وقد كان هذا الكلام نوعيا وسابقة بذاتها باعتباره دليلا على بداية جديدة نحو تغيير جذري في الفكر الديني لدى العالم الأول، سيدرك الغربيون الآن أن الجانب الروحاني المفقود عندهم في الرخاء سيظهر في الشدة، وأن العلم والمال وحده ليس سلاحا يغني عن كل شيء، سيعرف الناس أن وجود قوة إيمانية خفية ورائهم ضروري كدعامة معنوية ضد الأزمات سواء كانت تلك القوة ذاتا إلهية، أو نبيا مسموع الكلام، أو عقيدة مقدسة. ولهذا فمن المتوقع أننا سننتقل نحو غرب أكثر تدينا ينحسر فيه الفكر الوجودي أكثر من أي وقت مضى ويتجه نحو قالب فكري أكثر توازنا بين المادة والروح.

في الوقت ذاته سيفهم الشرق المتدين أن رجال الدين لا زالوا يبيعون الخرفات، وأن المرض عند الكافر ليس عذابا وعند المسلم ابتلاء، والوضوء لا يقي من الفيروس، والكمامة الصحية ليست كالنقاب. وما هذه سوى بضاعة أخرى من بضائع الإستغباء الديني لتجار دين مفلسين يحشرون أنفهم في كل ما لا يفقهونه، ستنتهي صلاحيتها يوم شفاء آخر مريض كورونا في العالم، وهذا ما سيؤثر بالطبع على درجة التدين العام مثلما سيكبح دور رجاله على مستويات السلطة والإعلام، وأكيد زيادة هامش التحرر الديني في بلدان الشرق المحافظ حتى لا نقول طلاقا رسميا بين الدين والمتدينين.

ثورة الطب القادمة

كما أن العلم والطب لن ينجوا، ولا شك أن ثوة طبية في علم الفيروسات والميكروبيولوجيا تنتظرنا، وستفقد نظرية العلاج الدوائي نقاطا هامة أمام انطلاق العالم نحو فلسفة الطب الوقائي، كإجراء يفرضه عامل الهيكل الذهني للكائنات العدائية الدقيقة التي بدأت وستواصل تطورها وتأقلمها مع العضوية الطبيعية والإنسانية، كما أن منظمات الصحة العالمية التي أتبثت فشلها ستحل محلها أدوات دولية جديدة يراها العالم أكثر فاعلية وقدرة على التنسيق والتعبئة والتوعية، مثلما ستتغير عديد الأنظمة الصحية في العالم وتتبدل أولويات شركات الأدوية العالمية بتغير السوق الصحي، وستحظى المخابر البحثية باهتمام أكبر في الدول المتقدمة سواء من ناحية الأمن الطبي العام أو العسكري حتى باتجاه السباق نحو السلاح البيولوجي كأداة هجوم ودفاع وستصبح التهديدات سياسية وعسكرية وبيولوجية أيضا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة