د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
10.6 k

كيف لعب الرئيس السادات دور رجل الحوار في عهد الرئيس عبد الناصر؟

23/3/2020

تطور الدور الحواري الذي لعبه الرئيس أنور السادات فيما بعد العام الأول للثورة ليشمل الميدان العربي والإسلامي والأفريقي.. أي ليغطي العلاقة بالقوى المناظرة للثورة في المجتمعات الخارجية.. وربما كان أنور السادات قد لعب الدور الأكبر في تيسير بدء هذه الحوارات وانطلاقها إلى آفاق مفيدة للثورة.. وللنظام الجديد.. وكان هذا الدور يتكرر بتلقائية مع كل ثورة أو انقلاب في بلد عربي أو أفريقي أو مسلم.. أو مع كل حركة جديدة أو غير متوقعة هنا أو هناك.. وقد كان صاحب أبرز قدرة على الاستماع والاستنتاج والحكم على الأمور هو أنور السادات. وقد ظل الرئيس السادات يؤدي هذا الدور حتى نهاية عهد عبد الناصر.. وبداية عهده هو شخصيا.

 

وربما لم يجد الرئيس أنور السادات نفسه في عهده مَنْ يؤدي له الدور الجبار الذي أداه هو نفسه للرئيس عبد الناصر في عهده.. وربما أن مصر لا تزال تفتقد منذ تولي الرئيس السادات المسئولية في أكتوبر 1970 رجلا مثله يقوم بهذا الدور للرئيس.. أيًا ما كان هذا الرئيس. وليس من العيب أن نعترف أن السياسة المصرية لا تزال تفتقد بين أصحاب المناصب الرفيعة مثل هذا الرجل المتصل بالطوائف على اختلافها.. والقادر على الاستماع والاستنتاج.. والقادر على البلورة والفهرسة.. والقادر على تمثيل دور الثوري المتعاون وإظهار هذا التعاون على مراحل.

 

وهنا لا ننسى أن الرئيس السادات قام للرئيس عبد الناصر بأدوار الاتصال مع الشيوعيين.. ثم أدوار القطيعة معهم.. كما تولى إدارة أدوار الاتصال مع الإخوان المسلمين.. ثم أدوار القطيعة معهم. ومن العجيب والطريف أنه كان يؤدي الدور الاتصالي والدور الانقطاعي أو العدائي بنفس الكفاءة.. ودون أن يحس بالتناقض الأيديولوجي. وهذه قدرة سياسية يصعب الوصول إليها.. ومن الضروري أن أشير إلى أن هذه القدرة شيء آخر تمامًا غير ما يترامى إلى الذهن من وصفها بأنها نوع من أنواع النفاق.. فالنفاق شيء وهذه القدرة السياسية شيء آخر.. وعلى سبيل المثال فإن صاحب هذه القدرة في كثير من الأحيان (بل في أغلبها) يؤديها من موقع القوة لا من موقع الضعف الذي يستقوي بالنفاق أو يستعين به.

 

كان الرئيس السادات كثيرًا ما يغير رأيه إلى النقيض أو إلى ما يفضل الناس التعبير عنه الآن بتعبير الهندسة: 180 درجة بناء على أن الرئيس عبد الناصر غير رأيه 180 درجة.. والقصة الشهيرة في ذلك حدثت عند قبول عبد الناصر لمبادرة روجرز في نهاية عهده

ومما هو متاح بين أيدينا من تاريخ للمواقف السياسية في عهد الثورة فإننا نرى بوضوح أن السادات أدى هذا الدور الثلاثي المراحل: الاتصالي، الانقطاعي، التبريري مع الرئيس محمد نجيب نفسه، فهو الذي تولى قيادة هجوم الثورة على زعيمها الأول.. وهو صاحب أو مبدع نظرية تصوير محمد نجيب في صورة الرجل الذي لم يكن يعلم شيئا عن الثورة حتى قامت.. كما أنه صاحب فرضية أن الرئيس نجيب كان يريد أن يضع الثورة في جيبه ولمصلحته.. كما أنه صاحب فكرة أن الرئيس نجيب قد أصبح مسنًا ومخرفًا، مع أنه لم يكن قد وصل للثالثة والخمسين من عمره. كل هذه الأدبيات.. وكل هذه التصويرات.. وكل هذه التهويمات.. كان الفضل فيها للرئيس السادات.

 

ربما نسي فضل الرئيس السادات بعد أن تم حسم المعركة لصالح عبد الناصر ضد غيره.. وربما رحب السادات نفسه بأن يسلب منه هذا الإبداع.. وحاول بعض الصحفيين المعروفين أن يستأثروا بهذا الدور لأنفسهم أو ينسبوه كلية لأنفسهم.. لكن الحقيقة أن الذي صاغ وصك معظم هذه التعبيرات ومعظم هذه الروايات ومعظم هذه القصص ومعظم هذه التصويرات للثورة ولنظام الرئيس جمال عبد الناصر كان هو أنور السادات أولا.. وأنور السادات ثانيا.. وأنور السادات ثالثا.. وأنور السادات رابعا.. وربما تعد إلى مائة.. ثم تقول ثم جاء فلان وفلان.. فأعادوا توزيع ألحان ما قال به الرئيس السادات صاحب اللحن الأساسي.. لكن الطريف أن حقوق الملكية الفكرية في الأعمال الفنية لم تمتد بعد إلى مثل هذه الميادين اللا أخلاقية أو الأخلاقية من ممارسات السياسة.

 

ومن المؤكد أن أحدًا من هؤلاء الصحفيين جميعا لم يكن ليجرؤ أن يعبر للرئيس جمال عبد الناصر عن موقفه من هذه القوى أو الأفراد الذين اختلف معهم على هذا النحو المسرحي الكامل غير الرئيس السادات.. وبالطبع لم يكن الرئيس السادات يؤدي هذا الدور بنجاح مائة في المائة.. وإنما كان في بعض الأحيان يحدث أنه يستبق بالعداء خطوات للرئيس عبد الناصر.. لكنه عندما يطلب منه الرئيس عبد الناصر إعادة ضبط «التون».. أو إعادة ضبط الدرجة من العداء فإنه كان يعيد ضبطها بمنتهي الترحاب.. وبمنتهى الكفاءة.. وبمنتهى الطاعة والالتزام.

 

هل كان الرئيس السادات يغير رأيه من النقيض إلى النقيض

كان الرئيس السادات كثيرًا ما يغير رأيه إلى النقيض أو إلى ما يفضل الناس التعبير عنه الآن بتعبير الهندسة: 180 درجة بناء على أن الرئيس عبد الناصر غير رأيه 180 درجة.. والقصة الشهيرة في ذلك حدثت عند قبول عبد الناصر لمبادرة روجرز في نهاية عهده.. فقد كان الرئيس السادات قد هاجمها هجوما شديدا بناء على معرفته برفض لرئيس عبد الناصر لها.. فلما قبلها الرئيس عبد الناصر في موسكو قبلها الرئيس السادات أوتوماتيا في مصر وعدل موقفه 180 درجة على الرغم من أنه في نفس اللحظة التي كان الرئيس عبد الناصر يقبل مبادرة روجرز في موسكو تعبيرا عن غضبه من القادة السوفييت، كان الرئيس السادات في نفس اللحظة أو ربما بعد تلك اللحظة بلحظات يهاجم مبادرة روجرز في القاهرة.. لكن لرئيس السادات حين اكتشف في اليوم التالي أن الرئيس عبد الناصر قبل المبادرة غير موقفه تمامًا.

 

ومن المؤكد أن هذا لم يكن من قبيل توصيف ما حدث على أنه موقف خلقي يلام عليه.. وإنما هو موقف سياسي ربما يثاب عليه.. وربما ينال عليه الاحترام إذا كان جزءا من نظام شمولي ثوري ذي توجه معين. ومن الطريف أن نذكر هنا ما أشار إليه الدكتور محمد مراد غالب في مذكراته (وتعمد الآخرون تجاهله تمامًا) من أن الصحف العربية التي خرجت تهاجم الرئيس جمال عبد الناصر الذي قبل المبادرة السيئة كانت قد أخذت تثني على السادات الذي وقف من المبادرة موقفا ثوريا ورفضها!

 

ولنا أن نتخيل صورة هذا التصوير المزدوج لخنوع عبد الناصر وثورية السادات على نحو ما قدمته الصحافة العربية في ذلك اليوم (ولمدة قصيرة).. وهو التصوير المحموم الذي لم يستمر بالطبع إلا يومًا واحدًا عادت الصحافة العربية الثورية بعدها لتكتشف أن السادات نفسه عاد إلى خط عبد الناصر بنفس القوة التي كان عليها في رفض المبادرة.. وقدم مبررات قوية لقبول المبادرة على نحو ما قدم من قبلها بساعات مبررات قوية لرفضها.

 

وربما أتوقف هنا لأشير إلى طرفة أخرى تتعلق بهذا الموضوع، وهي أن الناصريين المقربين من مكتب الرئيس ظلوا يروون أن عبد الناصر غضب على لرئيس السادات بسبب موقفه من المبادرة، دون أن يشيروا إلى هذه الواقعة التي أشار إليها الدكتور محمد مراد غالب.. وكنت أعجب لموضع الغضب الذي يشيرون إليه حيث لم يكن له موقع من المنطق أو من الإعراب كما نقول.. وظللت على هذا النحو حتى نشر مراد غالب هذه الوقائع وتحققت منها ففهمت السبب الذي أخفاه هؤلاء.. وإذا صح هذا الذي يروونه فإن الغضب لا يكون على موقف السادات من المبادرة وإنما على الموقف «الممتاز» أو «المتميز» الذي تصادف أن حصل عليه السادات في الصحافة العربية بسبب موقفه المبدئي من المبادرة.

 

والحق أن الرئيس السادات في موقفيه المبدئي والنهائي كان يردد موقف عبد الناصر الذي تغير بسرعة لم تمكن الصحافة العربية من أن تميز الحقيقة فآثرت تمجيد السادات.. ولهذا السبب وحده كان غضب عبد الناصر على نحو ما صوره القريبون منه دون أن يذكروا الحقيقة كاملة. فهذا التوجه العمومي للرئيس السادات كان الطابع الحاكم لسياساته ولآرائه طيلة عهده.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة