قلمين محمد هشام
قلمين محمد هشام
3.8 k

أي مستقبل للاتحاد الأوروبي بعد جائحة كورونا؟

24/3/2020

لم يكن يعتقد أشد المناهضين لمشروع الاتحاد الأوروبي، من أن الاتحاد نفسه سوف يمنح لهم التبريرات الكافية للتشكيك في قدرته على قيادة الأمم الأوروبية لتشكيل كتلة متكاملة ليس فقط اقتصاديا واجتماعيا وإنما حتى سياسيا وعسكريا. وهذا راجع إلى التسيير العقيم لمؤسسات الاتحاد لأزمة انتشار فيروس كورونا في القارة الأوروبية وخاصة في الدول الأعضاء والتي أصبحت بؤرا لتفشي هذا الفيروس، وهذا ما جعل المناهضين للاتحاد يطرحون وبقوة فكرة تفكيك هذا الاتحاد، أو الانسحاب من عضويته كإيطاليا مثلا، أو الانسحاب من مفاوضات الانضمام كصربيا ودول البلقان.

أسباب قيام الاتحاد الأوروبي

قبل التطرق للحديث حول آثار أزمة فيروس كورونا حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، علينا فهم الأسس التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي، وما هي الأسباب التي أدت بالعديد من النخب السياسية الممثلة لجزء معتبر من الشعوب الأوروبية تناهض مشروع وحدة الأمم الأوروبية. إن الاتحاد الأوروبي في أصله كان حلا مطروحا لتجاوز مخاوف نشوب صراع مدمر جديد في القارة الأوروبية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى أساسه تم تكوين اللجنة الأوروبية للحديد والصلب في 1951، ثم السوق الأوروبية المشتركة عام 1957، وكوسيلة لمواجهة القوى العالمية الصاعدة بعد نهاية الحرب سواء المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي أو الولايات المتحدة كزعيمة للمعسكر المناهض للاتحاد السوفياتي، أو القوى العالمية الصاعدة بعد نهاية الحرب الباردة والمتمثلة في دول البريكس (البرازيل – روسيا – الهند – الصين – جنوب أفريقيا)، فكان لا بد من إنشاء تكتل أوروبي اقتصادي وسياسي لضمان المكانة الأوروبية في الاقتصاد العالمي.

تحديات الاتحاد الأوروبي قبل انتشار فيروس كورونا
انفجار الفيروس في القارة العجوز، كان يمكن أن يكون فرصة لتدعيم مشروع التكامل بين الدول الأوروبية، ولكن تطور تفشي الفيروس بسبب تبني دول الاتحاد لإجراءات يطغى عليها طابع الحمائية أكثر منه التكاملية

واجه الاتحاد الاوروبي عدة تحديات أهمها تسييره لأزمات ضربت دوله الأعضاء، بداية من أزمة الديون السيادية والتي عصفت بدول منطقة اليورو بداية من سنة 2010، والتي سببتها آثار الأزمة المالية العالمية، والتي أدت بدول مثل اليونان وإيرلندا وأغلب دول جنوب أوروبا بعدم تمكنها من تسديد ديونها السيادية، وارتفاع الدين العام الأوروبي لمستويات قياسية ففي اليونان بلغ الدين العام 120 بالمئة من الناتج المحلي الخام، وعجز الخزينة حوالي 13 بالمئة منه، هذا ما جعل دول الاتحاد تتخذ تدابير إصلاحية كتأسيس صندوق الإنقاذ المالي الأوروبي EFSF بقدرة إنقاذ تبلغ 590 مليار يورو، ويقوم الصندوق بمنح ضمانات لتغطية الحصول على قروض بنسب فائدة متدنية لفائدة الدول المتضررة، وهذا ما أثار حفيظة الدول التي تتمتع بفائض مالي كألمانيا التي عارض شعبها إجراءات إنقاذ الاقتصاد اليوناني من فوائضهم السيادية.

التحدي الثاني هو أزمة المهاجرين والتي كانت أحداث الربيع العربي (خاصة في سوريا وليبيا) السبب الرئيسي فيها، فحوالي مليون مهاجر سوري في عام 2015 قاموا بدخول منطقة شنغن، وهذا ما أدى إلى وقوع أزمة دبلوماسية بين دول الاتحاد الأوروبي، بعد محاولة المفوضية الأوروبية فرض حصص على دول الاتحاد للتكفل بالمهاجرين، وهذا ما رفضته العديد من الدول خاصة دول الاتحاد الشرقية والوسطى لعدة أسباب، منها اقتصادية ولكن أكثرها أيديولوجية كما صرح رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور اوربان، والذي أكد أن الطبيعة المسلمة للمهاجرين سوف تؤثر على الهوية المسيحية لأوروبا، وقد كانت هذه الأزمة هي القطرة التي أفاضت الكأس، خاصة بعد تداعياتها الاقتصادية خاصة على ارتفاع مستويات البطالة خاصة لفئة الشباب الأوروبيين وارتفاع نفقات المهاجرين خاصة بألمانيا والتي قامت بقبول 1.3 مليون مهاجر، ليكلفها ذلك 13.3 مليار يورو.

وهذا ما دفع التيار اليميني المتطرف المعادي للمهاجرين ولقوانين تحرير الحدود وتخفيض القدرة السيادية على إدارة السياسة الاقتصادية للبلاد، إلى طرح أفكاره والتي مكامنها عنصرية، وإيجاد وعاء انتخابي واسع يتقبل أفكارخ ويؤيدها ويعمل على نقله إلى مراكز اتخاذ القرار كما حدث في إيطاليا في انتخابات مارس 2018 والتي حملت رابطة الشمال الفاشية بقيادة ماتيو سالفيني إلى الفوز بالغالبية البرلمانية، وكما حدث في استفتاء البريكست في جوان 2016، بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والذي كانت قيادة حملة الخروج من الاتحاد لمناضلين محسوبين على التيار اليميني والتي كللت جهودهم بالفوز بالأغلبية الساحقة في البرلمان في انتخابات ديسمبر 2019 بقيادة رئيس الوزراء بوريس جونسون وتأكد انسحاب بريطانيا بشكل رسمي من الاتحاد بعد أزمة دامت ثلاث سنوات من التفاوض العقيم لشروط الانسحاب.

أزمة فيروس كورونا القطرة التي أفاضت الكأس

لم يكن يعلم المدافعون عن فكرة التكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في أوروبا، أن أزمة فيروس كورونا سوف تكون الأزمة العاصفة بما تبقى من آمالهم بالحفاظ على الاتحاد الأوروبي من التفكك. فانفجار الفيروس في القارة العجوز، كان يمكن أن يكون فرصة لتدعيم مشروع التكامل بين الدول الأوروبية، ولكن تطور تفشي الفيروس بسبب تبني دول الاتحاد لإجراءات يطغى عليها طابع الحمائية أكثر منه التكاملية.

فالقارة العجوز التي أصبحت بؤرة عالمية لتفشي الفيروس أحصت أكثر من 190 ألف إصابة أي حوالي 50.95 بالمئة من مجمل الإصابات العالمية، منها 10.221 حالة وفاة أي بنسبة 5.36 بالمئة من مجمل المصابين، 62.59 بالمئة من حالة الوفيات العالمية، وقد نال الاتحاد الأوروبي حصة الأسد من حالات تفشي الفيروس بـ 88.47 بالمئة من الإصابات، و94.67 بالمئة من حالات الوفيات، في حين أن العديد من الدول التي تفاوض من أجل الانضمام تعاني من انتشار واسع للفيروس وعدم القدرة في التحكم فيه، كحال صربيا ودول البلقان، والذي أدى بالرئيس الصربي إلى توجيه نداءات الاغاثة لدول العالم، خاصة تلك التي تبزر المؤشرات الأولية على تحكمها بالمرض كدول جنوب شرق آسيا، وكرد فعل على تفشي هذا الفيروس أعلت المفوضية الأوروبية على تنسيقها الدائم مع الدول الأعضاء من أجل العمل على احتواء الفيروس، مع ضرورة توفير القدر الكافي من الوسائل والأجهزة اللازمة لمواجهة الفيروس، مع التحضير لبرنامج استثماري بقيمة 37 مليار يورو من أجل توفير السيولة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومؤسسات الرعاية الصحية، مع تخفيف الأعباء المالية لحماية القدرة الشرائية للمواطن مع احترام قواعد التخطيط للميزانية في الاتحاد الأوروبي، كما قامت بوضع الخطوط العريضة فيما يخص تسيير حدود منطقة شنغن بما يضمن عدم انتشار الفيروس، مع الحد من تنقلات الغير ضرورية.

ولكن وحسب الملاحظين فإن هذه الإجراءات ليست في مستوى الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي حلت بدول الاتحاد والتي قدرت خسائرها بالترليون دولار مع تسجيل معدلات نمو تقرب من الصفر بالمئة كحال فرنسا التي سجلت خلال الأسبوع الثالث من مارس معدل نمو يقارب 0.9 بالمئة، وهو الذي أدى بإيطاليا لطلب تكوين صندوق إغاثة خاص بفيروس كورونا، من أجل ضمان الديون اتجاه الدول المتضررة، وهو ما تفرضه ألمانيا. بالإضافة إلى اتخاذ العديد من الدول لإجراءات حمائية تتنافى مع الأسس والدعائم المكونة للاتحاد الأوروبي، كالغلق الكلي للحدود ابتداءا من إسبانيا لحدود البرية، ثم ألمانيا التي أغلقت حدودها مع خمس دول منها 4 دول أعضاء للاتحاد (فرنسا – لوكسمبروغ – الدانمارك – النمسا)، وهو إجراء اتبعته كل من الدانمارك والنمسا (لحدودها مع إيطاليا)، والتشيك وسلوفينيا، في تعارض فاضح مع اتفاقية شنغن.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما أقرت العديد من الدول خاصة ألمانيا وفرنسا لإجراءت لحماية مواردها الطبية والصيدلانية ومنع تصديرها وتجاهل طلبات الاغاثة من العديد من الدول المتضررة كإيطاليا وصربيا، وهو ما وجدته العديد من الأطراف كفرصة لطرح إشكالية جدوى مواصلة الدول لعضويتها في الاتحاد، خاصة الأحزاب اليمينية والتي تناضل منذ عقود لتفكيك الاتحاد من أجل إعادة الروح السيادية لدولها سواءا لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أيديولوجية، وهي التي ترى أن قوانين الاتحاد الأوروبي سوف تؤدي إلى تغيير الهيكلة البشرية ذات السيطرة الآرية لمجتمعاتها، والهوية اللائكية لدول الاتحاد من جراء إرتفاع نسبة الأقلية المسلمة في مجتمعاتها.

ومن جهة اخرى ترى العديد من القوى الخارجية فرصة في القضاء على تكتل كان عاملا أساسيا في مواجهة مطامعها للسيطرة على القارة الأوروبية، كروسيا والتي من خلال قيصرها الجديد فلاديمير بوتين تريد إعادة مشروع الاتحاد السوفياتي وبسط سيطرتها على دول أوروبا الشرقية، أو الولايات المتحدة والصين والتي تريد تفكيك الوحدة الاقتصادية الأوروبية للسيطرة على أسواقها وأضعاف تنافسية شركاتها، بالإضافة إلى عزل دورها في القضايا الدولية من خلال ممثلية الاتحاد للشؤون الخارجية، وتفكيكها إلى دويلات لن يكون لها نفس الدور في التأثير في مسارات القضايا الدولية، بما يخدم مصالح دولها الأعضاء.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة