أحمد حسن كـرار
أحمد حسن كـرار
2 k

"الرأسمالية الاشتراكية" حتمية العالم ما بعد كورونا

24/3/2020

يمر العالم اليوم بأزمة حقيقة بسبب وباء كورونا المستجد الذي ظهر في حين غفلة من أمرنا في المدن الصينية. عندما كانت الصين والشعب الصيني يئن تحت وطأت الفايروس، كانت بقية الدولة الغربية تتفرج على الصين ولم تتحسس احتياطياتها الوقائية لهذا المرض، لأن الكثير يظن أن المرض سينتهي في الصين. وهذا الإعتقاد ربما من تجارب سابقة لفايروسات ضربت البشرية في العقدين الماضيين من إنفلونزا الطيور، والخنازير، وإيبولا.

عندما ظهر فايروس إيبولا في أفريقيا لم يتجهز العالم لمصيره الذي ينتظره أيضا فوقف صامتًا مع تقديم بعد المساعدات الخجولة للدول التي أصابها الفايروس، هذه التجارب جعلت من الدول الغربية وأمريكا تظن أن الفايروسات لن تصلها وأنها ستنتهي في مكان نشؤها، إلا ربما الحالات التي تصيب بعض الأفراد من هذه الدول الذين يعملون في بلد الوباء، أو المتطوعين لدحر هذ الوباء، هذا الاعتقاد المبني على تجارب الاوبئة السابقة جعلهم ينظرون لفايروس كورونا المستجد بذات النظرة السابقة، أي ربما تصاب بعض الحالات التي يمكن إسعافها والسيطرة على الفايروس وإنقاذ حياة المصاب وتنتهي المهمة. ويكونوا قد طوروا دواء لهذا الوباء ويستخدم في البلدان المصابة.

 

إذا نظرنا لكيفية إدارة الأزمة في الصين لهذا الوباء وإدارتها في إيطاليا مثلا نجد أن ثمة فرق كبير جدا بين هذه الدول، مع الأخذ في الحسبان الكتلة السكانية بين البلدين، لقد استطاعت الصين حصر الوباء في مناطق بعينها

هذه المرة توقعات الدولة أتت بما لا تستطيع مجابهته لجان الكوارث في هذه الدول، وأن هذا الفايروس ليس كمثيله من الفايروسات السابقة، إنه اخطر، وافتك من سابقاته، بل واسرع انتشارا. لقد خرج هذا الوباء من الصين ولم يميز بين دول العالم الأول أو الأخير، وجعل العالم جله في مرمى إصابته، هنا حيث يتساوى الغني والفقير؛ تحت ذات المرض ولن ينجوا منه إلا صاحب المناعة المحافظة. لقد كان هذا الوباء الأكثر فتكا في إيران وإيطاليا وإسبانيا، ولكنه ظل في حالة انتشار مستمر في متتالية أُسية لن يُرى لها نهاية في القريب العاجل حسب ما يصرح به أخصائي المعامل الدوائية.

دروس وعِبّر من كورونا

إن من أهم الدروس المستفادة من هذا الوباء هو كشفه لضعفنا وحيلتنا في تقديم شيء ما، نحن عاجزون عن فعل شيء يمكن أن ينقذ الآف البشر، أو ربما الملايين ونحن لا نعرف ذلك. هذا الضعف ظهر في كيفية إدارة الدول الموبوءة لهذا الفايروس فأظهر قصرها وقلة حيلتها. إن فشل هذه الدول في إدارة أزمة كورونا يجعلنا نحن الذين ننظر لهذه الدولة طيلة الخمسة عقود الماضية نظرة أنها النموذج الذي نطمح إليه في الإدارة والسياسية، يجعل نظرتنا هذه قاصرة لحد بعيد جدا، فهذه الدول بما فيها أمريكا ظهرت في إدارة هذا الوباء دول ضعيفة وهشة ولا حلية لها في تقديم شيء ما، بل أنها أصبحت تفتقد لأبسط المقومات من أغطية الأوجه والمعقمات.

إذا نظرنا لكيفية إدارة الأزمة في الصين لهذا الوباء وإدارتها في إيطاليا مثلا نجد أن ثمة فرق كبير جدا بين هذه الدول، مع الأخذ في الحسبان الكتلة السكانية بين البلدين، لقد استطاعت الصين حصر الوباء في مناطق بعينها، مع حد قدرت الوباء على الانتشار خصوصا بعد الثلاثة أسابيع الأولى لظهور المرض، وظل يتراجع إلى المراحل الاخيرة التي أعلنت فيها أن الخارج أصبح أخطر عليها من الداخل، في حين إيطاليا الآن أوشكت على الشهر ولم تستطيع الحد منه، بل ظل عدّاد المصابين والموتى في ازياد مخيف جدا، ناهيك عن إسبانيا وبقية الدول الأوروبية بالإضافة لأمريكا.

عن إدارة الأزمة

يمكن أن نقرأ إدارة الأزمة بين هذه الدول والصين إلى السياسة الرأسمالية التي جعلت من الخدمات، ووسائل الإنتاج جميعها تجارية هدفها الأول ربحي، أي يحسب الربح والخسارة.
1- في إيطاليا وبقية الدولة الغربية أن جميع الخدمات الصحية خدمات تجارية ربحية ذات منفعة خاصة تعود لمستثمر المنشأة، فهو يحسب حسابات الربح والخسارة، وهنا يستطيع أن يقدم خدمات ممتازة للمواطنين لكنها خدمات صغيرة غير مستدامة، وغير مرنة أي لا تستطيع الإستجابة لحالات الطوارئ والكوارث.

2- في الصين أغلب المؤسسات الصحية مؤسسات حكومية هدفها تقديم الخدمة وليس المكسب، وهنا نجدها خدمات الحكومية دائما تكون كبيرة ومرنة تستطيع الاستجابة في حالات الضرورة القصوى، لأنها تخضع لإدارة الدولة، وإدارة القرار السياسي.
من هذه المفارقات يمكننا أن نرى كيف استطاعة الصين أن تسيطر وتستجيب في حين نرى أن بعض الدول الأوروبية أعلنت عن فقدان السيطرة على الأزمة. بل إيطاليا تطلب المساعدة من الدولة، وفعلا أتتها المساعدات من حيث الكوادر الطبية "البشرية" من الصين وكوبا. وللمفارقة أن كل من كوبا والصين يمكن أن نصنفهما خارج نطاق الدولة الرأسمالية بالمفهوم السياسي أي بمفهوم "الرأسمالية السياسية". وهذا ما يجعلنا نشك في حقيقة الخصخصة الشاملة لمؤسسات الدولة مثل الصحة والتعليم.

ما بعد كورونا؟

الكثير من المحللين يرون أن العالم ما بعد هذا الوباء لن يكون كما كان من قبله، وأن المؤسسات الرأسمالية الآن في أضعف حالاتها، أو ربما إن لم تسقط فهي على حافة السقوط. إن التجارب البشرية هي تجارب متجددة، وفي حالة إبدال دائم وتحسين مستمر منذ نشأت هذا الوجود البشري على هذا الكوكب. لقد جرب العالم النظام الاشتراكي في إدارة الاقتصاد عقودا مضت، لقد نجح في بدايته لكن فشل في خاتمة المطاف، واتجه العالم نحو الرأسمالية وهي تكابد شهق الروح الأخير. مع انهيار البورصات العالمية وتقطع التجارة العالمية المترابطة يؤكد أن العالم بحاجة لنظام جديد يُدير هذا الاقتصاد إدارة عادلة لا تقتصر الثروة بين قلة من العالم وأغلب البشرية تكابد الجوع. وبما أن ليس ثمة مشروع جاهز فإن المزج بين الرأسمالية والإشتراكية هو الحل الأكثر نجاعة، بحيث يكون للدولة يد في مؤسساتها العامة مثل المستشفيات والمدارس والجامعات لتتدخل إذا ما حدثت فاجعة أخرى لهذا الكوكب، كما تضمن الدولة حقوق الطبقات الصغيرة والضعيفة التي تكابد الفقر، مع حق رأس المال أن يستثمر ويربح وفق هوامش تجعله أكثر تقييدا لجهاز المؤسسة.

إن جائحة كورونا هي صرخة في أذن الرأسمالية التي لا تشبع، فهل يسمع رأس المال هذا الإنذار ويستجيب لمقاراب "الرأسمالية الإشتراكية"؟ "وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" البقرة《279》.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة