هانم جمعة
هانم جمعة
8.6 k

هل ضحى بوريس جونسون بشعبه لإنقاذ الاقتصاد البريطاني؟

24/3/2020

"العدو غير مرئي والجواب هو إزالة عباءة الخفاء عنه" بهذه العبارات الأدبية والكلمات المرتبكة البعيدة عن الواقع، كان يخاطب رئيس الوزراء البريطاني شعبه في مواجهة وباء كورونا، يخرج بنظرية غريبة من هنا، ثم تهدئة من هناك، ثم تحذير ثم نشر للرعب، تخبط جنسون مع انتشار وباء كورونا في البلاد وربوع القارة العجوز بشكل عام، فالرجل الباحث عن طموحات الإمبراطورية، على ما يبدو ذابت احلامه الاقتصادية مع انتهاء موسم ثلوج أوروبا ليستقبل ربيعاً كارثياً لم تشهده المملكة المتحدة منذ قرون، دول الاتحاد الأوروبي مع بداية الأزمة هبت بتدابير لمحاربة الفايروس باتخاذ إجراءات صحية صارمة، لكن بريطانيا كان لرئيس وزرائها رأي آخر وصف، "بالهزلي المجنون".

  

بدأت القصة عندما تبنت حكومة "جونسون" في مواجهة فيروس كورونا، السياسة المعروفة ببناء “حصانة القطيع” باستهتار مثير للجدل، حيث تعتبر النظرية أن أفضل طريقة لتخفيف العواقب طويلة المدى لوباء الفيروس السماح له بالانتشار بشكل طبيعي من أجل بناء السكان "مناعة القطيع"، إهمال مريب يصدر من دولة تحظى بأعرق الجامعات والمستشفيات حول العالم، لتدور الشكوك حول جونسون وسياساته الخبيثة الملغومة، بالتخلص من كبار السن الذين انهكوا خزينة الدولة باعتبارهم الأغلبية في المجتمع البريطانيا، رغم أن المسنين والكبار في السن هم السبب الرئيسي في نجاح جونسون في الانتخابات الأخيرة، وهم من صوت أيضا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ليكافئهم جونسون اليوم بإهمال كبير وتجاهل مقصود.

  

بينما كان الأوروبيون يغلقون المدارس ويضعون الجنود في الشوارع لفرض قواعد الحجر الصحي الصارمة، كانت النصيحة الرسمية للحكومة البريطانية لمواطنيها فقط الحفاظ على الهدوء والاستمرار، ظلت المدارس، والمطاعم، والمسارح والنوادي مفتوحة فالرجل لطالما أراد تفرده عن المشهد الأوروبي باتخاذ خطط، يعيد فيها ماء وجه بريطانيا العظمى التي حلمت أن تغرد خارج سرب الاتحاد الأوروبي حتى نالت مرادها، لكن على ما يبدو أن ماء وجه بريطانيا ومعها "جونسون" قد جف وتلاشى مع اصطدام نظريته الشهيرة بالحقائق التي أثبتت فشلها مع تفلت الوضع الصحي في إيطاليا، فالأخيرة لم تعد تستوعب مستشفياتها مزيداً من المرضى. تراجع بوريس جونسون عن سياسة "حصانة القطيع". وأقر بتدابير خجولة مثل العمل من المنزل والامتناع طوعًا عن السفر غير الضروري والتواصل الاجتماعي.

   

يبدوا أن سفن جونسون الخيالية وأحلامه الاقتصادية دمرتها رياح covid19، فازدادت الحالات حتى تفشى المرض وخرج عن السيطرة.

نبرة جونسون، وسياسة بريطانيا، ظلت على النقيض القوي لبقية أوروبا -وهو صدى لافت للنظر لنهج رئيس الوزراء القائم على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في وقت سابق من العام. فقد ظل جونسون يناكف بالدول الأوروبية بحثا عن حلمه في إعادة بريطانيا إلى موقعها ضمن مصافي الدول، فوعد بالارتقاء باقتصادها بعد تراجع دورها عالميا، خاصة أن دولاً كروسيا والصين وتركيا والهند وباقي دول التنين الآسيوي تسارع الزمن من أجل مكانة أكثر قوة في العالم، ويعتبر جونسون أن تراجع دور المملكة المتحد سببه الاتحاد الأوروبي الذي جعل من بريطانيا جندي مطيع تابع لها. حتى أنه مع بداية العام وبعد معركة البيركست رفض جونسون أي اتفاقاً تجارياً أو تبادلاً حراً يتضمن قبول قواعد الاتحاد الأوروبي في مجال المنافسة والمساعدات والضمان الاجتماعي والبيئة. انه الطلاق الكبير!!

  

حتى إبان انتشار وباء كورونا أراد جونسون أن ينأى بنفسه عن جيرانه كالإبن الهارب من عائلته، أحب أن يثبت استقلاليته ونجاته دونهم، فتابع نظرياته الاقتصادية ضارباً عرض الحائط بالسلامة الاجتماعية وصحة الناس وأكد في خطاب تشجعي أن حكومته أثناء الأزمة ستعطي حزمة من القروض والمنح والإعفاءات الضريبية للشركات بقيمة 350 مليار جنيه استرليني (400 مليار دولار) ، بالإضافة الى خفض بنك إنجلترا المركزي أسعار الفائدة إلى مستوى قياسي.

 

ولكن يبدوا أن سفن جونسون الخيالية وأحلامه الاقتصادية دمرتها رياح covid19، فازدادت الحالات حتى تفشى المرض وخرج عن السيطرة. واتهم هاشتاغ ToryGenocide على تويتر، جونسون وحزبه المحافظ، بالسماح المتعمد للمرضى والمسنين بالموت، باتت الوفيات تقفز 40 بالمئة في اليوم الواحد، فوجد الرجل نفسه في مأزق كبير، ليخرج بتصريحات لائما الناس بطريقة غير مباشرة، واعتبر إن بلاده تأمل في التغلب على فيروس كورونا خلال 12 أسبوعا إذا اتبع الناس إرشادات الحكومة، ومن التهدأة الى الصدمة وبعد تلاعبه بأعصاب البريطانيين، واجههم بالحقيقة، حيث دعاهم إلى الاستعداد "لفقدان أحبائهم قبل الأوان". بتصريح قاسي ومرعب، معولاً على التقدم الذي تحقق في البحث عن علاج، أي وبصريح العبارة لن نوقف عجلة الاقتصاد سنستمر بالعمل وكل من يملك مناعة سوف ينجو، فلن يضحي الرجل باقتصاد بلده ابداً، فخسارة بعض المسنين ليس بالأمر السيء.

  

ومع بلوغ وباء كورونا ذروته في أغلب دول العالم، يزيد جونسون وخلفه الحكومة البريطانية من إجراءات السلامة تدريجياً وبشكل خجول، رافضا ً أن يمنع الناس عن أعمالهم، وهو بذلك يضرب عصفورين بحجر واحد الأول في الاجراءات التي لا تحمي الناس بشكل كافي، فعدد الوفيات يزداد يومياً أغلبهم من المسنين مما يخفف من الثقل المالي عن حكومته، والعصفور الثاني هو إنقاذ الاقتصاد البريطاني من التدهور الخطير.

     

ولكن يبقى السؤال هل سينسى التاريخ الإنساني بعد مضي الأزمة صورة العجوز على الكرسي أمام رفوف فارغة من المواد الغذائية في إحدى المتاجر، في مظهر يدمي القلب؟ هي جريمة تنسف مواثيق حقوق الانسان والحريات الاساسية، في بلد كانت على قائمة الدول المنادية بها! ليقعوا اليوم ضحايا زعيم سياسي، شكل ظاهرة بحد ذاتها، بعد ان استطاع بمكر الإيقاع بشعبه، في سبيل المضي خلف اطماعه الخيالية التي لن ينال منها سوى خيبة وشعب يموت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة