انتبه.. النظام قيد الانهيار

25/3/2020

لا حديث للناس هذه الأيام سوى تداول الأخبار حول آخر مستجدات انتشار فيروس كورونا /كوفيد-19/، والذي صدّرته الصين للعالم كما تصدر كل شيء من حولنا. ووسط تكهنات وتحليلات علمية وغير علمية وأمام ما تواتر من أقاويل ومعلومات عن تعرض البشرية لوباء كل مائة عام واحتمالية تعرض النظام الاقتصادي العالمي للانهيار في العام الحالي 2020. يبرز سؤال مهم وجوهري، هل نحن نعيش سيناريو مكتوبا وواضحا بالنسبة لجهة أو نظام أو مجموعة أشخاص تعيش في الظل، وهل نقاد من قبل تلك الطغمة وننصاع كما تقاد الأنعام لحتفها؟ أم أننا نعيش في فوضى خلاقة وأحداث متوالية غير مرسومة بدقة ووضوح وقد تخرج عن السيطرة أحياناً؟ وبافتراض أن واقعنا يوجه بفعل فاعل أو فاعلين، فهل نملك لأنفسنا نفعا أو ضرا، بحيث نستكثر من الخير إن استطعنا؟

  

أصحاب نظرية المؤامرة سيجيبون دون تردد وتمعن بالتأكيد على أن هناك ما يحاك في الخفاء دون أدنى شك، وأن الفيروس ما كان له أن ينتشر بهذه الصورة لو لم يكن صُمم وطُور في مختبرات سرية، خصوصاً وأنه يسبب ضررا على الخصوبة لدى من نجوا منه ما يشي بأنه يهدف لكبح جماح النمو السكاني، وأما أصحاب صفاء السريرة فهم على العكس من ذلك قد يرفضون ويشجبون كل تلك الادعاءات، ولكن ألا يوجد بين المنطقتين منطقة رمادية؟ وأليس من الممكن أن تكون النظريات المتعلقة بالمؤامرة قد تم نشرها وترويجها وتسطيحها والمبالغة فيها بتعمد لنضيع وسط ادعاءات وخزعبلات تظهرنا في مظهر رث وسطحي، في حال تجرأنا على القول إن هناك من يخطط في الخفاء؟

  

باعتقادي، إنه لا يوجد شي بلا ثمن، فنحن بدأنا للتو، وعلى نطاق عالمي، في تسديد أقساط الدين، في حين سبقتنا شعوب ودول في تسديدها، والحياة التي لطالما ركنّا إليها واستمتعنا بها والنظام العالمي الموبوء بديمقراطية البرجوازية ليس نهاية التاريخ، وبالرغم من اعتقادنا أننا نحيا حياة طبيعية ونستمتع بما توفره لنا الرأسمالية من منتجات مغرية، إلا أننا كمن سكن في فيلا لعام أو عامين وفق عرض مغري على أن يبدأ التسديد بعد أعوام، بشروط وأسعار غاية في الإجحاف، ولكنه وقع على العقد ولابد له أن يدفع.

 

من المؤكد ان الحياة التي نعيشها وفق النظام الحالي، بين المتبني لنظرية المؤامرة والمفرط في التفاؤل، تخضع لنظام معيب. وعلى الرغم من شعورنا بالسلامة والاطمئنان، فسنبقى على الدوام قاب قوسين أو أدني من الانهيار طالما رضينا بهذا النظام وعيوبه مقابل المتعة الزائفة التي يوفرها، فالحضارة الصناعية الحالية لا تشكل إلا جزءا يسيرا من عمر الحضارات والشعوب، رغم شعورنا بطول المكوث والاستمرار فيها.

   

  

يعيش إنسان اليوم، وعلى العكس من أسلافه، بعدم انسجام مع واقعه بشكل رهيب، ومن تلويث لكل ما يحيط به، إلى استنزاف للطاقة والثروة كأنه سيموت غداً، الى القتل الوحشي لأنواع وكائنات حية لأسباب واهية ومتع زائفة، مرورا باستنزاف المحيطات وتدمير التنوع البيئي، ناهيك عما نقوم به تجاه أنفسنا عبر أسلوب حياتنا العصري المغرق في السلبيات والأخطاء والضغوط النفسية، إلى التنازل عن أساسيات وربط الحبل حول عنقنا وتسليمه ليد من لا يرحمنا مقابل فتات موائدهم، فنحن وإن تجاوزنا هذه الأزمة ومرت بسلام، إلا أن الحبل المربوط حول عنقنا سيظل كما هو حتى نقطعه بأيدينا، ونحرر أنفسنا من سجون الوهم.

 

إن عددنا المتزايد والمتنامي في العالم، و الذي تجاوز السبعة مليارات نسمة وهو في ازدياد، بدأ يعكر صفو أصحاب الياقات البيضاء، كمن أرهقته زيادة أعداد قطعانه دون أن تدر عليه بالفائدة وفكر في التخلص منها، ونحن في خضم مواجهة تفشي المرض لازلنا نسعى في مراكز التسوق نملأ عرباتنا بكل ما يوفر لنا الطمأنينة والراحة ويحافظ على نمط حياتنا الاستهلاكي كما هو، ورغم أن الجوع يقتل عددا أكبر مما تخلفه الأمراض والأوبة، إلا أننا لم نلتفت لتلك الأعداد من الضحايا طالما أن النار لم تصل بعد إلى بيوتنا، ولازلنا مستمرين في رمي فوائض طعامنا في حاويات القمامة، ونفكر منذ الآن في مصروفات الشهر الفضيل وكيف سنوفر ما يكفي من الطعام في رمضان، خوفاً من أن نموت جوعا في شهر الطاعات والصيام!

 

لقد واجهت الصين تفشي الفيروس بجدية وحزم منقطع النظير، وأدارت الأزمة باقتدار وتفاني، وهي قاب قوسين أو أدني من القضاء عليه، في حين برزت لدينا أصوات وجدت لها فرصة للبروز على الساحة مرة أخرى في ظل الظروف الحالية، وهي تقدم حلولا واهية لا تمثل سوى القشة التي يتعلق بها الغريق، علينا أن نفيق من سكرتنا، وأن نتخذ من هذه الأزمة ناقوس خطر يدق بالقرب من آذاننا، وننتبه لهشاشة وضعنا القائم على الزيف والبهرجة، وأن نزيد من الوعي وإدراك الحقائق بدل أن نغرق في السطحية والركون إلى ما نحن عليه، فالصين لم تواجه المرض بالركون إلى الغيبيات، فالغيب علم لا ندركه، وبالتالي علينا أن نعيش في الواقع ونتعامل معه بموضوعيه.

  

نقطة أخرى جديرة بالانتباه، وهي أن الدول التي تتمتع بالديمقراطية واحترام الحريات، واجهت صعوبة في إقناع الناس بالمكوث في بيوتهم لمنع تفشي فيروس كورونا، ولم تستطع إرغام الناس على التخلي عن نمط حياتهم أو إجبارهم على إجراء الفحص أو تطبيق الحجر الصحي، ما أدى إلى تفش مريع للفيروس في أوروبا، في حين أن القبضة الحديدية للنظام الشمولي في الصين حققت أهدافا ملحوظة ولو أنها قد تشكل حلولا على المدى القريب فقط.

  

وفي الوقت الذي تعاني فيه دول الغرب وإيطاليا على وجه التحديد من كارثة إنسانية، هرعت دول المعسكر الشرقي كالصين وكوبا إلى إرسال الطواقم الطبية لنجدة الشعب الإيطالي، في حين قامت التشيك بحسب تقارير صحفية بمصادرة أو (سرقة) شحنة طبية من الكمامات والمعدات الطبية كانت الصين قد ارسلتها لنجدة إيطاليا، فهل نحن أمام أفول نجم وتفكك الاتحاد الأوروبي وفشل الديمقراطية وروابط الأخوة الغربية المبنية على المبادئ البراغماتية؟ وهل ستشكل هذه الأزمة التي لاي علم أحد إلى أي مدى ستصل، فرصة لتثبت خلالها الصين نجاعة المبادئ الاشتراكية في تحقيق رخاء وازدهار الشعوب عبر روابط الإخاء والمساواة والعدالة الاجتماعية، خصوصاً وأن الرئيس ترامب لم يستطع طمأنة الشعب الأمريكي خلال هذه المحنة بأن الأمور تحت السيطرة وأنها ستكون على ما يرام، ما أوقع الشعب في خشية أن يستيقظ يوماً على حقيقة أن الحلم الأمريكي ليس إلا أضغاث أحلام.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة