د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
10.5 k

كيف شخص الرئيس السادات الفشل في تنظيمات الثورة السياسية؟

26/3/2020

يرى كثير من المؤرخين والمثقفين أن كثيرًا من التنظيمات السياسية التي أسستها الثورة قد تورطت بحسن نية (من خلال تقاريرها بالذات) في العمل ضد مصلحة الوطن بناء على رؤى شخصية كانت تبرر فكرتها بقصر نظر شديد ولا تدرك أن البلبلة الناشئة عن تصرفاتها تؤذي الوطن.. وكانت هذه التقارير في طريقتها أو في تجميعها كفيلة في بعض الأحيان بأن تورد مصر موارد التهلكة.. صحيح أنها كانت تنبه إلى بعض القصور هنا أو هناك لكنها في تعليقاتها على الاتجاهات السياسية الكبيرة كانت كفيلة بأن تضع مصر في أزمات كثيرة جدًّا منها ما تبلور بالفعل في عهد عبد الناصر وكانت نتيجته مظاهرات 1968.. ومظاهرات الطيران.. ومظاهرات الجامعة في الإسكندرية وفي القاهرة.

 

وبالطبع فإن هذه المدونة ليست مخصصًة للحديث عن هذه التجارب المريرة التي شارك الاتحاد الاشتراكي أو شاركت بعض التنظيمات التابعة له مثل «منظمة الشباب» فيها وشاركت دون أن تدري في خلق فتن داخلية للنظام.. بل في تأجيج الثورة على النظام.. وفي صناعة صراعات سياسية داخل النظام نفسه.

 

ونحن لا نستطيع أن ننكر أننا دخلنا في صراعات أجنحة متعددة داخل الاتحاد الاشتراكي.. وأن الصراع كان شخصيا.. بل كان قد وصل إلى صورة أسوأ من أن يكون شخصيا.. فكان صراع مديري المكاتب في بعض الأحيان.. وصراع صف ثانٍ وثالث في بعض الأحيان الأخرى.. لكننا في معرض الحديث عن تاريخ الرئيس السادات ونشاطه السياسي في عهد الثورة لا بد أن نشير إلى موقفه من هذا الأسلوب ومن هذه الفترة الحافلة بالصراع السياسي الداخلي ونحن نستطيع أن ندرك أن الرئيس السادات كان قادرا على أن يسمو بنفسه، ولو إلى بعد معقول، فوق هذه الممارسات.. وأن يحتفظ لنفسه بدور محدد يصب في مصلحة الرئيس عبد الناصر.. وفي مصلحة نظام الرئيس عبد الناصر.

 

بعد أن تم هذا العرض الممهد والمبرر الذي وافق عليه عبد الناصر وأراد أن «يخرجه» على هذا النحو من خلال حوار الطلاب والمعيدين مع الرئيس عبد الناصر

مع هذا وفي ظل تأجج هذا الصراع تمكن الرئيس السادات بعون من الرئيس عبد الناصر وبطلب منه من أن ينجح في القيام بأدوار محددة كثيرة في كثير من بقاع مصر.. في كرداسة وفي كمشيش وفي غيرها.. كان يتوجه في اللحظة المناسبة لينهي الصراع أو لينهي المشكلة بطريقة تحفظ للنظام ماء وجهه.. وتظهر النظام منتصرا في المعركة التي خاضتها بعض فصائله أو واعيا لتصرفات هذه الفصائل على الأقل.. ثم إنه بخبرته كان يضع لكل هؤلاء حدودا في الممارسات التي يظنونها ممتدة الأفق، بينما يراها الرئيس عبد الناصر ونظامه ـ وعلى رأسه الرئيس السادات نفسه ـ ذات حدود محددة في داخل ملعب محدد لا يسمح لهذه القوى السياسية ولا المهنية أن تجتازها.

 

وقل مثل هذا عن كل التحركات والحركات التي شهدتها الفترة ما بين الهزيمة النكراء في ١٩٦٧ ووفاة الرئيس عبد الناصر في 1970. والشاهد أن السادات انتبه إلى ما يجب عليه أن يضعه من أطر وحدود للتنظيم السياسي الواحد في عهده.. وذلك من خلال معالجته للآثار الجانبية أو التجاوزات التي فرضت نفسها في عهد عبد الناصر وتولى السادات معالجة بعضها في ذلك الوقت ووقف عاجزا أمام بعضها الآخر.

 

ومن الحق أن نشير إلى أن الرئيس السادات قبل غيره كان منتبها إلى هذه الحدود «الناصرية» المقيدة للديمقراطية والمقيدة لمشاركة الشعب في السياسة.. وقد وصل في بعض الأحيان في هذا الانتباه إلى درجة قصوى، ربما تفوق درجة انتباه الرئيس عبد الناصر نفسه.. يحضرني في هذه المناسبة أن الرئيس عبد الناصر كاد أن يفرج في مرة من المرات عن أحد أساتذة الجامعة من المناوئين لسياساته بحجة أنه أستاذ في قسم صغير ولا يلتقي به إلا أعداد بسيطة وأنه لا يملك قوة عسكرية ولا قوة تنظيمية..

 

بعد أن تم هذا العرض الممهد والمبرر الذي وافق عليه عبد الناصر وأراد أن «يخرجه» على هذا النحو من خلال حوار الطلاب والمعيدين مع الرئيس عبد الناصر، وكاد الأمر أن يتم بالإفراج عن الأستاذ على هذا النحو المتفق عليه من قبل كما أشرنا.. إذا الرئيس السادات ـ وكان عن يمين عبد الناصر ـ ينبه الرئيس بصوت مسموع وفي نقاش مفتوح أمام الجميع إلى أن هذا الوضع الذي وصف الطلاب والمعيدون أستاذهم به كان هو وضع عزيز المصري بالضبط.. ومع ذلك فإنه على يد تلامذة عزيز المصري انطلقت الثورة.. وعندئذ تراجع جمال عبد الناصر علنًا عن قراره بناء على نصيحة المستشار السياسي الأول له، الذي هو أنور السادات.

 

وربما نقف هنا لنقول بطريقة طريفة إن رئيس الجمهورية الجديد الذي خلف عبد الناصر افتقد هذا المستشار عندما أصبح هو نفسه رئيسا للجمهورية. ومن الإنصاف ألا ننتهي هذه المدونة من دون الإشارة إلى مشاركة السادات في كل الإجراءات التي اتخذها عبد الناصر في عاميه الأخيرين، ومهما قيل عن نفوذ سامي وشعراوي وهويدي وغيرهم من طبقة علي صبري أو طبقة محمد فوزي فإن السادات كان حاضرًا على الدوام، وكان واحدًا من الذين يسيرون الأمور عند مرض الرئيس عبد الناصر أو عند غيابه للعلاج.

 

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن السادات كان حاضرًا بالطبع في مذبحة القضاء، وقد أشرنا إلى هذا، وحين قرر السادات أن يصحح خطأ الثورة فيما يتعلق بهذه المذبحة فإنه لم يذكر أبدًا أنه كان معترضًا عليها، ومعنى هذا ببساطة شديدة أنه كان مقرًا بالموافقة على ما اتخذه عبد الناصر فيها من إجراءات.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة