بوعرفة عبد القادر
بوعرفة عبد القادر
148

نحو مشروع الغرقد

19/5/2017
نقرأ عبر تاريخ القدس التليد ملحمة الهُوية وصراع الطوائف والأديان، وأسطورة الحياة بعد كل موت، فهي كطائر الفنيكس "العنقاء" ينبعث من تحت الرماد أكثر قوة وصلابة. كما نكتشف عبر التاريخ العريق أن القدس مدينة الله بالمعنى التام للكلمة، فلا "العبرنة" ولا "العربنة" تستطيع أن تسلبها صفة مدينة الله السلام المؤمن. إنها ليست مدينة داوود ولا عيسى ولا محمد عليهم السلام، بل مدينة من أرسل كل هؤلاء بدين الحق وكلمة السّواء.


يتعين على حملة مشروع نصرة القدس التّعالي عن المنطق الذي يروج له أنصار القومية، سواء العربية أو العبرية، فنصرة القدس يجب أن تنطلق من مسلمة ربانية تتمثل في كون القدس مدينة الله. ولتأسيس تلك المناصرة يجب رفض الطرح العبري القائم على تهويد القدس من خلال محاولة عَبْرنتها زورا ببعض آيات العهد القديم، ومن ذلك مثلا تسميتها ب:"مدينة داوود":2 صم، 5:7، أو "مدينة صهيون" مزامير48:13. وفي المقابل نرفض عَرْبنتها كما جاء في أطروحات أنصار القومية العربية، والشاهد الحصري قول اللواء الركن يسين سويد: " القدس عربية الأصل والمنشأ، أسستها قبائل عربية من (اليبوسين) هاجرت إلى أرض كنعان من جزيرة العرب.".

آية النّصرة تكمن في شجرة الغرقد، بالرغم من اعتقادنا نحن المسلمين أنها شجرة خبيثة لكونها كما جاء في الحديث شجرة اليهود، ولكن وجودها دليل على زوال بني إسرائيل من مدينة الله.

نعتبر أن النُّصرة تلغي النَّعرة، فالنّعرة ضيقة المجال والفكرة، لكونها لا تحمل البعد الإنساني والإسلامي في الوقت نفسه، بيد أن مفهوم النّصرة جامع مانع، ينهل من المنهل الإنساني والشرعة الإسلامية الحنيفة. وننطلق عند نصرة القدس من الطرح الذي انطلق منه صلاح الدين الأيوبي، حين اعتبرها مدينة السلام والأديان السماوية كلها، وأنها تخضع لسلطة الدولة والأمة الأكثر قدرة على حماية كل المؤمنين بالله وإن اختلفت معتقداتهم، فهي المدينة الجامعة. وعلى هذا الأساس سلمنا بأنها مدينة الله فحسب، وأن الأمة التي تُحقق رسالة الله هي الأحق بخلافتها وتعميرها وحراستها. ونستثمر الشواهد الدّينية التي تؤكد المسلمة السالفة، فلقد جاء في العهد القديم ما يلي

- "مدينة الله" مز 46و87:3.
- "مدينة إلهانا" مز 48: 2و9.
- "مدينة رب القوات" مز 48:9.
- " مدينة الرب" مز 101:1.

ويأتي ذكر القدس في القرآن والسنة دوما باسم المدينة المباركة من قبل الذات الإلهية، ومقامها لا يجاريه مقام لكونها مقام الأقصى الشريف: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" الإسراء: الآية 1. وقوله تعالى على لسان نبيه موسى: "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ، قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ " سورة المائدة: الآية 21 - 22.

ودلالة قدسية القدس ومسجدها الأقصى تكمن أيضا في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "الصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد، ما عدا المسجد الحرام، والمسجد النبوي. متفق عليه. ستظل هوية القدس عبر التاريخ مدينة الله، وترفض بإباء كل من يريد أن يهودها أو ينصرها أو يؤسلمها، فهي مدينة المؤمنين وقبلة الموحدين، مدينة الكل المختلف، تطيع فقط الطائفة التي تحقق التناغم وفكرة العيش معا، وتبارك من يعانق بين المعابد والمساجد، ويدافع عن تبرها وترابها، إرثها وتراثها، وتتنصل من كل من يريد أن يسلبها هوية التّنوع والاختلاف وأن يسميها باسمه أو دينه أو طائفته التي تأويه.

ولتأسيس تلك المناصرة يجب رفض الطرح العبري القائم على تهويد القدس من خلال محاولة عَبْرنتها زورا ببعض آيات العهد القديم، ومن ذلك مثلا تسميتها ب:"مدينة داوود".

تَعلم الخليفة الفاروق الدّرس فحفظه وطبقه، إذ جعل القدس مدينة الأديان والسلام، فتعايش المسلم مع النصراني واليهودي تحت سقفها، ولم تنقطع فلول الحجيج... إلا في زمن التّهويد والتّصهين. تتعرض القدس اليوم إلى خطر فقدان الهوية كينونة وجودها، إن فقدان تلك الكينونة معناه فقدان الوجود الحضاري والتاريخي... فالقدس لا تتعرض فقط لخطر فقدان الهوية بل إلى خطر فقدان الوجود. لأن تهويد القدس يسلبها الصفة الجوهرية في تعريفها، إذ لا يبقيها مدينة الله بل يحولها إلى مدينة داوود من جديد.

والمنظومة التربوية اليهودية مشبعة بالأفكار دانيال باسيس مؤسس رابطة الدفاع اليهودية والتي تحاول جاهدة البرهنة على:" وثيقة تمثل دعاوى قمة الغلو الصهيوني... كتبها مؤسس هذه الرابطة دانيال باسيس، وفيها كل الدعاوى التي يستندون إليها في أن القدس يهودية ولا علاقة لها بالإسلام، ولا مكانة لها في حياة المسلمين منذ حياة رسول الإسلام وحتى الحقبة الراهنة."

نحن نعلم جيدا أن التهويد لا يمس فقط ما فوق الأرض بل ما تحت الأرض، وهنا تكمن أزمة هويتها، إن حاللتها شبيهة بالإنسان الذي فقد أناه الاجتماعي والنفساني معا، فلم يستطع أن يحدد لذاته معالم شخصيته. إن خطر التهويد يفرض كل أشكال المقاومة المتاحة من أجل نصرة القدس، وأول شكل ممكن في الوقت الحالي يتمثل في المقاومة بالتفكير قبل يوم التحرير المنتظر. والتفكير لا يخرج عن رسم إستراتيجية النّصرة انطلاقا من مقومات الحاضر وصور الماضي، ونحن في هذا المضمار تصورنا مشروع النصرة من خلال الأفكار التالية:

1- الاستراتيجية المؤقتة
يقتضى التفكير في نصرة القدس البحث عن الحلول والمشاريع التي بفضلها يمكن أن ننصر القدس نصرا استراتجيا، ونحن نعلم أن أفضل الحلول غير متاحة في الحقبة المعاصرة، ونقصد الحل الأيوبي التحرير الذي لا يمكن أن نُنظر له اليوم لمسوغات موضوعية، لكننا نظل نؤمن بأنه الحل الأمثل للقدس. ولكي لا يتحول الحلم الأيوبي إلى عائق مشل لنصرة القدس، فإننا اليوم مطالبون بالتفكير في حلول استراتيجية تضمن للقدس البقاء في الضمير والشعور والذاكرة.. وتُؤمن لها في المقابل النصرة والنعرة.. وتجعل منها قضية الأحرار في كل بقاع العالم..

تَعلم الخليفة الفاروق الدّرس فحفظه وطبقه، إذ جعل القدس مدينة الأديان والسلام، فتعايش المسلم مع النصراني واليهودي تحت سقفها، ولم تنقطع فلول الحجيج... إلا في زمن التّهويد والتّصهين.

إن القدس تاريخ وعقيدة.. ومدينة الله بدل مدينة داود وسليمان.. ولكي ننصر القدس نصرا استراتيجيا نقترح على العموم مشروعين للمواجهة والتّدافع، الأول نسميه بمشروع "الغرقد الصغير"، تفرضه مرحلة الضَّعف والتشّتت، ويكون بمثابة مشروع للمجتمع المدني والأنتلجنسيا العربية والإسلامية الفاعلة، وهو كما يقول د. محمد عمارة: "ولأن هذا هو مقام القدس في عقيدة الإسلام والمسلمين في التاريخ الإسلامي... ومكانتها في الدولة الإسلامية... فإننا يجب أن نتعامل معها، في هذا الطور من أطوار الصراع التاريخي حولها وعليه، باعتبارها أكثر من قطعة أرض...".
 
إن اختيار تسمية مشروع المواجهة بالغرقد يعود للرمزية المقصودة التي يحملها المخيال الإسلامي، والمشبع بلحظة الأمل والانعتاق من هيمنة اليهود، وآية النّصرة تكمن في شجرة الغرقد، بالرغم من اعتقادنا نحن المسلمين أنها شجرة خبيثة لكونها كما جاء في الحديث شجرة اليهود، ولكن وجودها دليل على زوال بني إسرائيل من مدينة الله.

ونحن لا يهمنا نص الحديث بقدر ما يهمنا توظيف المخيال كرأسمال ثقافي في صناعة فعل تحرري، لأن حديث الغرقد يؤطر في ذهن المسلم شحنة الانتظار الإيجابي، واليهود استثمروا أسطورة مملكة الرب الكبرى لدفع المجتمع اليهودي نحو صناعة الوعد والتمكين للعهد. ونحن بدورنا لا بد أن نستثمر كل الأشياء والأفكار التي من شأنها أن تساعدنا على تحريك المسلمين نحو تحقيق العالمية والشاهدية الثانية. يتبع...

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة