لا، لم يكن المُسلمون أوّل من شيّد المساجد في أوروبا، بل الأوروبيون أنفسهم، ولم يكن ذلك قبل 50 ولا 100 عامٍ بل قبل حوالي 200 عام، أي في القرن الثامن عشّر وهو عصر الأنوار -كما يُقولون- وهو نفسه العصر الذي بدأت فيه مخاوفهم من الدولة العثمانية بالتبدد وحلّ محلها انبهارٌ بالشرق والحضارة العُثمانية بشكل خاص، حتى صارت هذه الحقبة تُعرف في التاريخ الاوروبي باسم "الموضة التركية" أو "Türkenmode" بالألمانية و "La Turquerie" بالفرنسية!
في تلك الأيام ومن ضمن هذا الهوس بالحضارة العُثمانية "Turkomanie"، كان هُناك هوسٌ عجيب بالأزياء التركية والتُحف الشرقيّة والكُتب الشرقيّة ككتاب "ألف ليلة وليلة"، الذي ألهم الأوروبيين وأدبائهم وعلى رأسهم الشاعر الألماني "جوته" الذي كتب لاحقًا "الديوان الغربي الشرقي"، وليس هذا فحسب فحتى الموسيقى الحربيّة العثمانية مثل موسيقى الجيش الانكشاري كانت مصدر إلهامٍ للموسيقار النمساوي الشهير "موتسارت" التي سمع عنها من جدّه فألف معزوفته الشهيرة " Alla Turca"، بل وأكثر، ففي ولاية سكسونيا الألمانية والمعروفة اليوم بكثرة النازيين فيها، اُقيمت حفلة زفاف لأحد الأمراء السكسونيين على الطراز التركي العثماني!
مسجدِ حديقة قصر شفتسنجن كلَّف الأمير "كارل ثيودور" الألماني حوالي 200.000 "جولدن" في عمليّة البناء، وهي تعادل القيمة المطلوبة لبناء قصر صغير في ألمانيا في ذلك الوقت |
أما الهوس بالمساجد، فقد كان أشد من ذلك كُله، حتى سرت "موضة" بين الأمراء أن تُبنى المساجد في حدائقهم ولو كانت التكاليف باهظة، ولكن الهوس كان أشد كما يبدو، فلو تصفّحنا كتاب "معالم العمارة التاريخية" من عام 1721 للمعماري الألماني "فيشر إيرلاخ" لوجدنا فيه تصاميم للمسجد الحرام في مكّة والمسجد النبوي في المدينة ومساجد أخرى كثيرة من إسطنبول، وبعد هذا الكتاب بأعوام قليلة بُني "مسجد حدائق كيو" في في لندن عام 1762 ولم يكن المسجد للصلاة، ولكن للزينة والتفكر وتعبيرًا عن الانبهار بسحر الشرق، ولم يتأخر الألمان عن بناء مساجد الحدائق "Gartenmoscheen" فراحوا يتسابقون في بنائها فعمّروا الكثير منها!
لا نتحدث هنا عن مسجد أو اثنين ولكنها أكثر بكثير، ومن أشهر وأول هذه "المساجد" مسجد حديقة القصر في "هوهينهايم" في مدينة "شتوتغارت" وذلك من عام 1778 ومسجد حديقة "فايسشتاينر" الذي بُني عام 1780 بالقرب من مدينة "كاسل"، ولكن هذه "المساجد" هُدمت مع الوقت ولم تعد موجودة للأسف وبقي منها مسجدٌ واحد هو مسجد حديقة قصر شفتسنجن، وهو لا يبعد عن مدينة هايدلبرغ الجميلة كثيرًا، وبلا شك فلم يكن ذلك آخر "مسجد" يبنيه الألمان فهناك مساجد آخرى مثل مسجد حديقة قصر لندورف في ولاية بافريا من عام 1867، والأعجب منه تلك المساجد التي بُنيت لتكون أشبه بمصانع مثل المسجد الذي احتوى على محطّة مضخات بخارية في مدينة بوتسدام قُرب العاصمة برلين، وذلك في عام 1841 وآخر كمصنع للسجائر في درزدن الذي بُني عام 1909!
ختامًا، إن المتأمل في حكاية مسجدٍ كمسجدِ حديقة قصر شفتسنجن يرى أن الأمير "كارل ثيودور" الألماني وصرفه حوالي 200.000 "جولدن" على عمليّة البناء وهي تعادل القيمة المطلوبة لبناء قصر صغير في ألمانيا في ذلك الوقت ثم تزين "المسجد" بالحكم والأمثال العربيّة مع ترجمتها للألمانية ثم إعلاء كلمة " لا الله إلا الله" عند مدخل "المسجد" مع كُونه ليس مسلمًا، مُؤكّداً أن هناك قاسمًا مشتركًا بين الشعوب والديانات الثلاثة، وليدعم الانفتاح الحضاري على الآخر، في وقتٍ لم يكن يصل عدد المُسلمين في كل ألمانيا إلا 1000 مسلم، وهؤلاء لم يكونوا بالطبع في شفتسنجن ولا حولها، ولكنه أراد أن يشيّد صرحًا للألمان يحثهم على الانفتاح والتنوّرِ أكثر، واليوم وبينما عدد المُسلمين في ألمانيا يتجاوز الـ 5 مليون وعدد المساجد في ازدياد، إلا أن أفكار الانفتاح والتسامح التي بدأت منذ أيام "ألف ليلة وليلة" و"غوتة" و"حدائق المساجد" آخذة في الانقراض شيئاً فشيئاً.. والأمل كُل الأمل أن لا تتحوّل إلى قصة من قصص ألف وليلة وليلة!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.