يوسف عمر يوسف
يوسف عمر يوسف
1.1 k

مفهوم الحاكمية بين المودودي وسيد قطب

1/7/2018

أوّل من رفع شعار الحاكمية -بالمعنى الذي يجعلها نقيضًا لأيّ حكمٍ بشري- هم الخوارج القدماء إذ قالوا: "لا حكم إلّا لله" مكفرين بهذا من ارتضى التحكيم البشري في قضية سياسية، حينها، ردّ عليهم عليّ بن أبي طالب، بلسان الإسلام ووسطيته: "إنّها كلمة كلمة حقّ يراد بها باطل.. نعم، إنّه لا حكم إلّا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلّا لله.. وإنّه لا بدّ للناس من أمير برّ أوّ فاجر".. ثمّ طوي هذا الشعار عن الفكر الإسلامي قرونًا طويلة، إلى إنّ بُعث من مرقده ودُبت فيه الحياة من جديد على يد السيّد المجاهد أبو الأعلى المودودي رحمه الله وغفر له، ثمّ نقلها عنه وتأثر بها الشهيد سيّد قطب رحمه الله.
    
وقد قامت تيّارات الغلوّ باجتزاء بعض نصوص المودودي في قضيّة الحاكمية واختزالها بما يتناسب مع تشددهم وغلوّهم من غير دقّة موضوعية أوّ علمية في تحرّي المشروع الفكري الكامل لهذا الرجل، فضلًا عن تحرّي مفهوم الحاكمية عنده، إذّ أنّ المودودي -وكذلك قطب- يرى أنّ الحاكمية مرادفة للألوهية حيث قال: "فلفظ إله واصطلاح الحاكمية هما اسمان لحقيقة واحدة"، والحاكمية بهذا المعنى أي "الألوهية" هي لله وحده، ولا يمكن لأحد أنّ ينازعه فيها، وما من مؤمن يعتقد خلاف ذلك، أمّا الغلاة فقد اجتزؤوا هذه النصوص وقاموا بتعميمها على الإطلاق، وغضوا الطرف عن كتاباته الأخرى حيث يقول: "فمجالس الشورى، أو البرلمانات لا يباح لها أن تسنّ نظامًا أو تصدر حكمًا فيما ورد فيه نص صريح واضح في شريعة الله، أمّا ما لم يرد فيه نص شرعي، وهو المجال الأوسع، فلأهل الحلّ والعقد أنّ يجتهدوا في سنّ الأنظمة التي تحقق مصلحة الأمّة بالمشورة المتبادلة".. وفي هذا تبرئة لساحة السيّد المودودي من افتراءات الغلاة، الذين أخذوا نصوصًا مجتزئة ثم قاموا بتعميمها. 
    

تيّارات الغلوّ -معتمدة على نصوص مجتزأة وملتبسة- سارعوا في تكفير من لم يحكم بما أنزل الله دون تريث، بل وحكموا بالجاهلية والكفر على المجتمعات

ومن ثمّ فإنّ الخطأ الذي وقع فيه الغلاة، هو نقل نصوص المودودي دون النظر إلى الملابسات التي أدّت إلى إفرازها، فالمودودي كتب هذا الكلام إثر الواقع الذي كان يعايشه، إذّ أنّ الأمّة الإسلاميّة في الهند كانت تشكّل أقليّة، ورأى المودودي أنّ أيّ انتخابات ديموقراطية ستفرز حكومة هندوكيّة من أهدافها طمس الهويّة الإسلاميّة، علاوة على أنّها لن تحكم بشريعة الله في الأرض.. أمّا عندما قُسّمت الهند وعاش المودودي في باكستان -ذات الأغلبية المسلمة- فقد قام بترشيح نفسه في الانتخابات.
 
يقول العلّامة القرضاوي في قضية الحاكمية: "إنّ فكرة (الحاكمية) ليست من اختراع سيد قطب ولا المودودي، بل هي فكرة إسلامية أصيلة، قررها علماء الأصول، واتفق عليه أهل السنة والمعتزلة جميعا". ويقول أيضًا: "وهذه الحاكمية بهذا المعنى ـل ا تنفي أن يكون للبشر قَدْر من التشريع أذن به الله لهم. إنما هي تمنع أن يكون لهم استقلال بالتشريع غير مأذون به من الله، وذلك مثل التشريع الديني المحض، كالتشريع في أمر العبادات، والتشريع الذي يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويسقط ما فرض الله. أما التشريع فيما لا نص فيه، أو في المصالح المرسلة، وفيما للاجتهاد فيه نصيب، فهذا من حق المسلمين، ولهذا كانت نصوص الدين في غالب الأمر كلية إجمالية لا تفصيلية، ليتاح للناس أن يشرعوا لأنفسهم، ويملأوا الفراغ التشريعي بما يناسبهم". ثمّ يقول: "وهذه قضية مسلّمة كما نقلنا من قبل عن علماء أصول الفقه، ولكن المشكلة تقع في الإيحاءات التي تركتها هذه المسألة في الأنفس والعقول، حتى فهم بعض الناس مما قيل في شرحها وتفسيرها: أن لا دور للبشر في التشريع والتقنين، وإن كان تفصيليا، أو مصلحيا، أو إداريا، أو إجرائيا".. هذا باعتبارها تعني الألوهيّة. 
   

 المودودي (مواقع التواصل)

ويقول د. محمد عمارة في الحاكمية عند المودودي -والتي يعتبرها خصيصة مودودية استدعاها من تراث الخوارج القدماء لملابسات هنديّة خاصة، وفكرًا سياسيًا يعالج واقعًا متميّزًا-: "إنّ مقولة الحاكميّة في فكر الخوارج القدماء، وفي كلّ كتابات أبو الأعلى المودودي هي (فكر سياسي) إسلامي، أي اجتهادات إسلاميّة، إنّ ألزمت أصحابها فهي غير ملزمة للآخرين، لأنّها ليست (دينًا ثابتًا) -فلا هي بالبلاغ القرآني ولا هي بالبيان النبوي للبلاغ القرآني- وإنّما في (فقه) سياسي يقبل منه ويرفض، يؤخذ منه ويرد. كما أنّ هذا الفكر عن الحاكميّة له معارضون كثيرون، فلا علاقة له بالإجماع -مع افتراض إمكانيّة الإجماع في الفقهيات والسياسيات أصلًا-"..

 
وبذلك فإنّ تيّارات الغلوّ -معتمدة على نصوص مجتزأة وملتبسة- سارعوا في تكفير من لم يحكم بما أنزل الله دون تريث، بل وحكموا بالجاهلية والكفر على المجتمعات.. يقول الإمام محمود شتلوت في حكم من لم يحكم بما أنزل الله:".. والحكم بغيره، إنّ كان مبنيًا على اعتقاده أن غيره أفضل منه وأنّه هو لا يحقق العدل ولا المصلحة، ردّة يخرج بها القاضي عن الإسلام. أمّا اذا كان القاضي الذي حكم بغيره مؤمنًا بحكم الله، وأنّه هو العدل والمصلحة دون سواه، ولكنّه في بلد غير إسلامي، أو بلد إسلامي مغلوب على أمره في التحكيم والتشريع، واضطر أن يحكم بغير حكم الله لمعنى آخر وراء الجحود والإنكار فإن الحكم في تلك الحالة لا يكون كفرًا، وإنما يكون معصية، وهو نظير من يتناول الخمر وهو يعتقد حرمتها".
 
ويكفي قول الإمام محمد عبده: "لقد اشتهر بين المسلمين وعُرِف من قواعد دينهم أنّه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة