هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




سري سمور
سري سمور
278

ياد فشيم.. هكذا يروج اليهود لمعاناتهم فماذا عنا؟

4/9/2018

كنا نتابع الإعلام الإسرائيلي بكثافة قبل 30 عاما، ربما أضعاف أضعاف متابعته الآن، والأهم أنه كان مصدرا رئيسا لمعلوماتنا ولتحليلاتنا وتصوراتنا في عدة قضايا، وتأثرنا به جميعا-للأسف- مع فارق درجة التأثر أو مقدار ما للتأثر من دافعية نحو أي اتجاه عملي/قولي. ودوما كنا نسمع كلمات (ياد فشيم) و(الكارثة والبطولة) سواء بأن للأمر يوما أو أياما للاحتفال، ترعاه مؤسسة رسمية (ياد فشيم) أو لأن كل زائر –خاصة الرسميين الكبار- للكيان العبري من أي ملة ومن أي دولة يجب أن يزور، سواء أكان راغبا في/عن، متحف (الكارثة والبطولة) وإن كنت أظن أن الأمر ليس بحاجة إلى شرح وتفصيل؛ ولكن لا بأس من بعض التوضيح، خاصة لمن لم يعايشوا تلك المرحلة.

 

ياد فشيم مؤسسة حكومية تعنى بإحياء ما يعرف في الكيان العبري بذكرى (الكارثة والبطولة) حيث يتم الاحتفال بتمرد بعض غيتوهات اليهود في أوروبا على النازية، والتذكير بما يسمى بـ(الهولوكوست-المحرقة) المنسوبة إلى زعماء ألمانيا النازية، بقيامهم بعمليات إبادة جماعية منظمة ضد يهود أوروبا مما تسبب بقتل 6 ملايين منهم إبان الحرب العالمية الثانية... حسب الرواية اليهودية والإسرائيلية والمعتمدة أوروبيا والممنوع قانونا عندهم مجرد مناقشتها تحت أي حجة أو عنوان... ولنا في روجيه جارودي مثال صارخ!

 

هناك متحف للاحتفال الدائم والشحن الدؤوب والمستمر لإبقاء هذه الرواية حاضرة في ذهن كل الإسرائيليين ومن يزورهم ممن قدم ويقدم الدعم لهم، أو ممن يدعمهم ولكنه ينتقدهم.. علما بأن المتحف فوق أراضي القدس المحتلة، ووفق الرواية فإن من قام بالمحرقة ليس من آل الحسيني ولا النشاشيبي ولا نسيبة ولا غوشة ولا غيرها من عوائل القدس، وبالتأكيد ليس من أي عائلة فلسطينية أو عربية أو مسلمة، والمحرقة وفق الرواية كانت فوق أراضي أوروبا وليس آسيا أو أفريقيا، أو ما يسمى بالشرق الأوسط.

 

من السذاجة اعتبار حجم التأييد والدعم والتعاطف الغربي مع إسرائيل نابعا من مشاعر إنسانية ومنطلقات أخلاقية تقتضي تعويض اليهود عما لحق بهم أثناء الحرب العالمية الثانية

ومع ذلك استطاع القوم تسويق روايتهم وجعلها مبررا أخلاقيا لاغتصاب أرض شعب آخر وتشريده، وفي متحفهم يراعون تطور التقنيات وآليات التأثير المتواصلة، كي تظل الحادثة حاضرة في الأذهان، ولم يتوقف الأمر على متحف فيه صور وفيديوهات وغير ذلك، بل ثمة إنتاج سينمائي شاهدت بعضا منه يتبنى الرواية المذكورة، ويطعمها بالطبع بكل ما للدراما من وسائل تأثير سيكولوجي (نفسي) على المتلقي.

 

ومع أن نظام أدولف هتلر قد تفكك والنازية صارت من التاريخ فإن على ألمانيا وعموم أوروبا تقديم كل أصناف الدعم والتعويض المادي والمعنوي على ما قام به هذا النظام بحق اليهود دون غيرهم من ضحاياه من الملل والديانات الأخرى، بل إن الصحفي الإسرائيلي (يورام بنور) يذكر في كتابه (عدوي نفسي) كيف أن شبانا أوروبيين جاءوا للعمل التطوعي في (الكيبوتسات) كنوع من الشعور بالذنب والتكفير عنه بهذا التطوع!

 

من السذاجة اعتبار حجم التأييد والدعم والتعاطف الغربي مع إسرائيل نابعا من مشاعر إنسانية ومنطلقات أخلاقية تقتضي تعويض اليهود عما لحق بهم أثناء الحرب العالمية الثانية؛ فنحن نتحدث عن عالم رأسمالي لا يقيم للأخلاق والحقوق وزنا، وقد قام باحتلال أراضي الشعوب الفقيرة والضعيفة واقترف من الجرائم و الفظائع ما نعرف وما لا نعرف، وبالتالي فإن أدوات الحركة الصهيونية لاحتكار دور الضحية وإبقاء أوروبا في دائرة الشعور بالذنب جرّاء الكارثة ليس إعلاميا وفنيا محضا، بل ثمة أدوات أخرى كثيرة يتداخل بها ما هو سياسي مع ما هو عسكري أو مخابراتي واقتصادي.. وحتى لو قمنا بإنشاء متحف يحاكي ما تديره مؤسسة (ياد فشيم) فلن نجعل مجموعات المصالح والنخب وصولا إلى العامة  تنظر إلينا كضحايا جدد لسياسات بريطانيا وبلفور وسايكس وبيكو وغيرهم؛ فهذا أمر لا يرتجى ممن رعى ويرعى الشجرة الخبيثة في أرضنا.

 

ولكن في ذات الوقت فإن الأمر يخصنا نحن في خضم الصراع وحشد الطاقات، لا سيما وأننا أصحاب حق واضح تدل عليه جموع اللاجئين ومخيماتهم، وما بقي من أطلال قراهم ومدنهم المدمرة المحتلة. فعند الاحتلال إضافة إلى ما سبق فيما يخص العالم الخارجي، فإن ثمة اتفاق على قداسة الرواية بين كل قطع فسيفساء مجتمعهم، فرمزية الرواية وما يترتب عليها أمر له من القداسة عندهم جميعا، ما ليس حتى للكتاب الذي كتبوه بأيديهم وقالوا هو من عند الله، فلا تجد يمينيا ولا يساريا ولا يمين الوسط ولا يمين (الأطراف) ولا غيره يفكر مجرد تفكير بالمس بهذه الرواية، ولو من باب ألا شأن للفلسطيني المظلوم بها، بل تجد فكرة ناجزة عندهم: ضمان عدم تكرار المحرقة، هو أن نظل دولة قوية هنا.

 

لقد أنتج الفلسطينيون ومن تعاطف معهم كثيرا من الأعمال الأدبية والفنية وأنشأوا مؤسسات لإحياء ذكرى النكبة، التي هي (هولوكوست فلسطين) إذا جاز نحت المصطلح، وما زالت مفردات العودة واللجوء وكل ما نتج عن النكبة حية رغم كل محاولات الطمس التي آخرها سعي ترمب لإلغاء الأونروا بكل وقاحة وصلف، بل إن كل فصائل العمل الوطني والإسلامي قد جعلت من السعي لإزالة النكبة شعارا ومنطلقا ومبرر وجود.

 


ولكن ثمة سؤال صعب: هل النكبة بما تحمله الكلمة من تبعات ورموز لها عند أفرادنا (الفرد هو نواة الجماعة) ما لموضوع (الكارثة) عند العدو من طاقة متفجرة دائمة، باتجاه الخلاص من النكبة والعمل على عدم تكرارها بأي شكل كان؟ ليسأل كل منا نفسه هذا السؤال، ويجعل إجابته أيضا لنفسه.

 

فإذا كان مفهوم (الضحية) ينتج ولو في حالتنا فقط مفهوم (البطولة) بحيث يجتمع رمز يمثل كلا منهما، فإن الناتج ليس على ما يرام بعد 70 سنة من النكبة، بغض النظر عن سيل الأقوال المحكية أو المسطورة، حول حجم المؤامرة وموازين القوى الدولية والإقليمية، فإن الدافعية والزخم الذاتيين عندنا مع كل ما نملك من وضوح الحق وصدق الرواية، ليس مكافئا لما عليه الحال عند الآخر... أقول ليس مكافئا وهذا لا ينفي قوة حجتنا وثبوت أحقيتنا في أرضنا ومقدساتنا، أو ما نحته الشهداء والمدافعون بدمهم وعرقهم وسنوات عمرهم عن هذا الحق وتجسيدهم نماذج لا مثيل لها تقريبا من البطولة.

 

وبالتالي فإن (ياد فشيم الفلسطيني) لم يتمظهر بعد كطاقة متفجرة لها ديمومة وزخم حتى يحقق الفلسطيني هدفه بإنهاء كارثته... ما الأسباب؟ هذا يحتاج إلى بحث مطول، وربما نختلف في بعض التفسيرات، ولكن لنتفق أننا بحاجة إلى ياد فشيم الطاقة والمحرك والمحفّز والموحّد الضمني... الآن وفورا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة